وجهة نظر في واقعة الكتابة الروائية في السودان

يوليو 12, 20250

 

عادل سعد يوسف

إن ساعة واحدة في ظل الحرية أفضل من أربعين سنة من العبودية والحرمان

نيكوس كازانتزاكيس – الحرية أو الموت

 

مفتتح :

 

إن أحد عناصر الطبيعة الإنسانية الأساسية هو الحاجة لعمل مبدع، لبحث إبداعي ولفاعلية أبداعية حرة غير مرتهنة بالنتيجة الضيقة التي تفرضها المؤسسات الاستبدادية؛ يُستنتج من كل هذا، بطبيعة الحال، بأنه ينبغي على المجتمع اللائق أن يفتح أمام هذه الممكنات، التي تشكل الخاصية الإنسانية الجذرية، أقصى حدود التحقق. وذلك يعني التغلب على العناصر الكابحة، القمعية، المدمرة والقهرية القائمة في كل مجتمع، في مجتمعاتنا مثلاً، باعتبار تلك العناصر بقايا تاريخية . (مجتزأ من العدالة حيال السلطة: حوار بين نعوم شومسكي وميشيل فوكو . ترجمة : حسين عجة [ الأوان موقع إلكتروني]).

 

توطئـــــــــة :

مما لاشك فيه أن الكتابة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالحرية ، إن سلطة الكتابة في تعارضاتها الدائمة مع سلطة الحكم باعتبار أن السلطة الحاكمة تعمل على إبقاء ما هو كائن بينما الكتابة تسعى لإزالته مراهنة على ما يجب أن يكون وهذا دورها الأساس ، أنها تنطلق من استئناف الأسئلة ، من عدم الاستكانة والرضوخ ، إنها أقصى حالات التمرد ومن هنا يتضح التعارض الدائم بين زمن الكتابة وفضائه وبين زمن السلطة وفضائه ، فتلجأ السلطة إلى تقييد زمن الكتابة وكبحه ، وبالتالي تصبح الكتابة فعلاً ثورياً مستمراً ضد كافة أنواع السلطة حتى وإن تم إنجاز المتخيل [ ما يجب أن يكون ] تظل الكتابة في الطرف الأقصى طارحة إمكانات جديدة لذلك لا يمكن تصورها خارج الصيرورة التاريخية .

***

تعبر هذه الورقة – كوجهة نظر- من مسألة الحضور الطاغي للتاريخ داخل المتون السردية كما أشار الدكتور هاشم ميرغني [استثمار التاريخ كاستعارة كبرى لكشف مسارات الواقع الراهن دون الوقوع في أحابيله ، بناء العالم بلبنات المخيلة ، والحلم ، وسحرنة الواقع ، وأسطرة أدق مفردات اليومي ،الزمن الذي يتراوح جيئة وذهاباً ، حاضراً وماضياً دون توقف ، الموت الذي يمكن تأجيله وتحييده …إلخ][1]

 

لكنها وفي نفس الوقت لا تتحدث عن التاريخ في الرواية أو كيف تم الاشتغال على التاريخ سردياً، بل ترى أن مُساءلة التاريخ هو بالضرورة محاولة لكشف إشكالات الواقع وبالتالي يغدو سؤال التاريخ هو سؤال الحرية في الأساس .كما يقول فيصل دراج : الرواية تغدو قرينة الحرية والمساواة حينما ينتفي كل حكم تيوقراطي،وحينما تعود للذات الفردية الحرة دورها الريادي في زمن الواقع.

ومن المؤكد واليقيني أن الرواية اليوم لم تعد شكلا أدبياً وجمالياً خالصاً ، يُعنى بها متذوقو الأدب والمشتغلون بهذا الحقل الإبداعي. بل ثمة تحول كبير تعيشه الرواية في السودان ، وهي تطمح أن تكون كلاً لحقول إبداعية وفكرية ومعرفية، تتداخل لتسهم في بناء سردي .يمضي نحو وعى إستراتيجى بالتاريخ.

***

ظلت [الرواية السودانية – لايمكن الحديث عن رواية سودانية منهاجياً] بين مزدوجتين ؛ في إنجازها الحديث تستدعي الفضاء التاريخي للمجتمع السوداني ممثلاً فيما بات يعرف بـ[ المسكوت عنه] وبعض تجلياته مستمدة جسارة غير مسبوقة في المقاربة لتعيد وتنظم التبدلات الحاصلة في قماشة النسيج الاجتماعي وفق معطيات المتخيل وفاعلية النص ، فالمتخيل هو الذي يعطي التاريخ نسقة المحدد في الفضاء الروائي عبرمحصلة سردية .

وهكذا أفلتت الرواية في براعة من مأزق السرد التاريخي [الكرونولوجيا ] لتحقق كياناتها الذاتية وخصوصيتها الإبداعية في فضاء المخيلة الواسع.

استدعت الرواية التاريخ لإنتاج خطابها الجمالي وفق ما تنطوي عليه المخاطر الكبرى المُسيجة لهذا الإنتاج في ظل شروط واقعية تتسم بالعنف تجاه ما هو إبداعي بل تجاه المتسائل المختلف ، وفي ظل غياب الحرية كشرط مؤسس للكتابة نفسها ،- لا يمكن تصور إنتاج إبداعي ومعرفي بمعزل عن الحرية -.

إن الروائي بطبيعته الإبداعية يرفض كل الأشكال التي تلجأ الى التخفي والتستر والتواري وحجب الحقائق والاشياء والأسرار، لأن هذا يتعارض مع صميم العمل الروائي الذي يقوم في مجمله على كشف كل ما هو مخبوء ومنسي ومختبيء خلف الواجهات التزويقية[حمزة الحسن] . وبالتالى كان اشتغال الرواية في مواجهة سلطة الخراب على ثيمات المسكوت عنه مرتكنة للجوهر الأصيل في حق الوجود . ونقصد بالمسكوت عنه منظومة أفكار وأقوال وأفعال و قيم تحكم كثير من تلك العلاقات.. وكثيراً ما يقمع صوت التفكير فيها بعدة وسائل و لعدة أسباب، بالرغم من وجودها الجارح في أرض الواقع.

وعلينا أن نؤكد أن مقاربة المسكوت عنه ليست هدفاً، إن خيار الرواية السودانية ليس خياراً شكلياً بل هو خيار رؤية وطريقة نظر إلى الأشياء والعالم، هو محاولة لإعطاء فضاء الحرية إنفساحاً أكيداً .

أعتقد أن الرواية قد عملت بدرجات وظيفية وجمالية في فهم وحجاج المعضلات السياسية و الاجتماعية . هذه المعضلات هي التي جعلت الاشتغال على هذا المسكوت ممكناً ومتسيداً الكتابة الروائية السودانية لدرجة التخالف النقدي حوله .

تحاول هذه الورقة الإجابة بسن عدد من المرقمات التي من خلالها يمكن التعامل التعييني والمقاربة المفاهيمية للرواية وتجليات خطابها ، مقترحة عدداً منتخباً للضرورة الورقة ، وهي بالطبع ليست نهائية ولا تدعي ذلك وهي :

 

بالنظر في كشاف الرواية المنتجة حديثاً نجد أن الرواية قد :

1– تنبهت الرواية للمتن التاريخي متوسلة أسئلة رافضة وناظرة له بعين الاسترابة في مصداقيته ومصداقية المنصة التي أنتجته سواء أكانت منصة أيدولوجية أو متواطئة بدرجة من الدرجات مع من يسمح ويفسر الأحداث التاريخة تحت مسميات لا تخدم جدليات التاريخ ، إخفاءاً أوتزييفاً للحدث التاريخي. وبفعلها هذا تكشف عن موضوعات تقتضي التباحث حولها خصوصاً أن تمظهراتها ما زالت تمارس حضوراً ضاغطاً على الذاكرة الجمعية في ظل نظام يعيد إنتاج القبيلة في أشد صورها الظلامية ويقذف بمتن الدولة المدنية خارج سياقاته معتمداً على سياق يمكن وصفة باللا تاريخي.

1- في رواية فركة [تناولت الرواية قصة صيد الأرقاء الزنوج وبيعهم في أسواق الجلابة العرب من قبائل الرباطاب والجعل والشوايقة وبعض قبائل البطانة التي مارست عادة الاسترقاق لسنوات طويلة واشتهروا بها في حقبة زمانية محددة، هي حقبة السلطنة الزرقاء “الفونج”][2]. وعدد من الروايات المتقدمة ( الحنق) شوقي بدري وغيره . ولا تخفى المآلات النهائية لهذه المكوَّن مقرؤاً بالراهن السوسيوثقافي والسياسي .

 

– وفي عتبة من عتبات رواية الظمآنان والسراب- وقائع مشوار قاسم عبد المنعم ؟ طارق أحمد خالد.

 

(أهينت البلاد لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركزفي المجتمع. إن الشعب ينقسم إلى قبائل و بطون و عشائر ،ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ ،وهؤلاء أصحاب الحق في الحديث عن البلاد ، منْ هو علي عبد اللطيف الذي أصبح مشهوراً وإلى أي قبيلة ينتمي). [ جريدة الحضارة عقب مظاهرة اللواء الأبيض 23/ يونيو1924 ][3]. 

 

إن إقتضاء فهم رهانات المسار الواقعي من المنظور الثقافي والاجتماعي يقتضي التذكير ببعض العناصر والمحطات التي طبعت تطورحركة التحرير السودانية، وشكلت تراكمات على مستوى الوعي .

2- المهمش وتفضح ما وراء صورته البائسة أعني الفاعل المؤسس لتهميشه لدرجة أن إحدي الروايات أبرزت في عتبة الإهداء مقولة [ لكل من تشرد في هذا البلد بفعل فاعل ] زجاجتان وعنق واحد . لعبد المنعم حسن محمود . ما يميز هذه الرواية مساءلتها للتاريخ السياسي الحديث ، يقول الراوي :

–  كلنا من شجرة مغلوبة على أمرها ..

جدي مغلوب 58.

وأبوي من سنة 69.

وأنا زي ما إنت شايف مغلوب من سنة 89 ]. ص31.

– وبأشد جرأة في التناول والمساءلة تُظهر رواية الفحل للكاتب الحسن محمد سعيد فقر النظام الحاكم بصورة تقريرية واضحة:  

(السلطة تجاهلت كل ذلك لأنها منذ جاءت على ظهر دبابة لا تعرف وسيلة لحلِّ الأزمات غير القمع، ونسيتْ أن الحال لن يظل هو الحال.. والأفظع أنها حيال الأطراف عموماً، تغابت عن وعي أبناء تلك المناطق بالظلامات الاجتماعية والاقتصادية التي وقعت على أهلها…’ (ص 122).

السؤال هنا ينفذ للبؤرة المعرفية حسب تعبير فوكو والتي يقصد بها ” البنية الفكرية التحتية المؤسسة للمعارف في حقبة معينة، والمتحكمة في تصوراتها ومناهج البحث فيها؛ وهي تمثل الشروط القبلية التي تنظم المعارف والمفاهيم وطرق التفكير في عصر من العصور”.

 

– ذاكرة شرير لمنصور الصويم التي حفلت بــ [فتيات متسولات، شحاذون، أولاد سوق، وأطفال صغار عيونهم جاحظة. عذاب، انسحاق، كوابيس مرعبة، وبطل الرواية الكسيح (آدم) الملقب بكسحي الملك، يمارس مهامه بفعالية في الشوارع والأزقة، في الأسواق وبين المتاجر والمقاهي.]  

– الجنقو مسامير الأرض لعبد العزير بركة ساكن [أن تسعة وتسعين في المائة من سُكان الحلة ليست لهم أجناس. ليست لهم قبائل، كلهم مُولدين، أمهاتهم حبشيات بازاريات، بني عامر، حماسينيات، بلالاويات، أو أي جنس، وآباؤهم في الغالب إما غرابة: مساليت، بِلالة، زغاوة، فُور، فلاتة، تاما، أو حُمران وشكرية أو شلك ونوبة ونوير، وفي قِلة من الشَوايقة والجعليين، وكضاب الزول البقول عندو قبيلة هنا، ولا جنس ولا خشم بيت].

– تتعرض رواية قارعة الذات للروائي عمر الفاروق التي تعرضت أيضاً للمنع من قبل المصنفات ، بشكل مباشر لثيمة الجنس غائصة في البنى التحتية للمجتمع متحدثة عن انحلال القيم الإخلاقية في ظل انهيار النظام السياسي والاقتصادي القائم وفشله على كافة الأصعدة .

[والآن نغوص في وحل غرائبي، يتحدى كثيرون منا ماضينا، تنصِّب “معروفة” شقيقتي نفسها، قوادة وشارفت على فتح معهد لتدريب الدعارة وتعلم مهاراتها كافة. هوسنا بالجنس اصبح قاتلاً وفتاكاً، هي تقود كل العمليات القاتلة بالحي. تستطيع تكبير حجم النهدين وجعلهما جاذبين لكل ذي حاجة، وتقدر على زيادة حجم المؤخرة بما يتواءم مع الذوق العام، وبارعة في فسخ اللون، وتملك قدرة مدهشة في جعل جسد الفتاة متناسقاً ومثيراً للعاب الشهوة.].[4]

استنتاج تركيبي :

في مسيرة التاريخ الإنساني الطويلة ونضاله من أجل الحرية ، تتراكم تجاربه الإبداعية وتتواثب معارفه بخصائص مجموعاته البشرية ، ولا تختلف فتراته التاريخية ولا تخلو من الصراع من أجل الحرية التي هي جوهره ، وإن القوانين والتنظيمات والأعراف وجدت لكي تحمي هذه الحرية قبل انقلابها لموانع وعوائق  . ( أن بوابات الحرية عندما تُفتح وآفاق النور عندما تنداح تتبدد الظلمات وتصبح حتى الأقبية الرطبة أكثر قابلية للحياة . لنفتح الأبواب والنوافذ كلها للضوء .. للريح ولنحاول تقليب كل ما لدينا في بيوتناتنا الداخلية وإخراجها تحت الشمس للقضاء أو لتبديد العفونة المتراكمة في كليتنا و حتى بين أناملنا , فوق جباهنا بين رموشنا ..الشمس ..الشمس ..الشمس‏.)

عباس حيروقة

إن الكتابة هنا مرادفة للحرية وبالتالي مرادفة لماهية الإنسان .

هوامش:

[1] – صحيفة المدينة المشهد الروائي في السودان – هاشم ميرغني الأربعاء 17/02/ 2010.

[2] – هشام آدم مدونة هشام آدم .

[3] – انظر : – الظمآنان والسراب- وقائع مشوار قاسم عبد المنعم لطارق أحمد خالد. الرواية الفائزة بالجائزة التقديرية لجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2011م

[4] – مقتتطف من الرواية ) مجلة عود الند ). http://www.oudnad.net/spip.php?article704

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *