أحمد يعقوب
كان ذلك في صيف العام 2021، بالخرطوم؛ كانت تلك نهارات قائظة، وشمسُ تلك الأيام كانت تمهّد لجحيمٍ سياسيٍ طويلٍ في البلاد؛ يحمل محمد خير حقيبته مُيمماً وجهه شطر أي مكان قد يجد الأنس فيه،علّ هذه الأنس يتحول في وقت ما إلى عمل روائي، وهكذا كان محمد خير يكتب شخصياته من وحي الواقع يحاورهم يتمشّى معهم ويأكل معهم ثم يكافئهم بالكتابة عنهم أو لربّما يكتبهم في ذهنه ويتركهم كزاد للذكريات.
في تلك النهارات الحارة التقينا بالقرب من مدرسة الإتحاد، وبعدها افترقنا والتقينا ثم افترقنا ثم التقينا مرات لا تُحصى ثم فارقنا محمد خير دون وداعٍ.
لم ألتقي برجلٍ يمتلك فلسفة في الحياة تشبه فلسفة محمد خير ؛ أو نمطاً من التفكير الغارق في التّصوف والزُّهد ولكنه غنيٌّ بالحياة مثله؛ فالزّمان والمكان عند محمد خير موادٌ سائلة، يسبح محمد خير في كل الأزمنة والأمكنة بسلاسة يحادث جيله بلغة العصر، يعانقُ جيلنا يشجّعه ويهوّن عليه مصاعب الحياة ، بل ولقد كان معظم أصدقائه من جيل الأبناء، قرأ قصصهم وأشعارهم وأعطى توصيات وتناول الطعام معهم وأطعمهم قصصه عن الحياة.
يحمل محمد خير ، صفات الأنبياء الذين قرأنا عنهم في عديد الكتب ولم يكن الزّهد الذي يتّصف به إلا خُصلة واحدة في زمنٍ يُرى فيها القيم والأخلاق بأنها من عصر تالفٍ. كان محمد خير فاكهة أي مجلسٍ يزوره يقاوم الحياة بالسُّخرية منها؛ ويا للعجب فقد طاوعته مراراً ولكنه كان يمد لسانه ساخراً لها.
ليس لدي شك في أن محمد خير قد حورب في الوسط الثقافي/ الروائي ، بل حاولت مؤسسات عديدة أن تتجاهل كتاباته بل وصلت الوقاحة إلى عدم ذكر إسمه في معرض ذكر كتّاب الرواية السودانية؛ وهذه حالة طبقت على مجموعة من الروائيين والشعراء والباحثين. في أعوام قريبة جداً كان في السودان ما يمكن أن نسميه (الحرس الثقافي) وهم مجموعة من الذين اختصوا بأنفسهم للحكم على أعمال كل من هو خارج (شلتهم) بل وكانوا يعمّدون من يريد أن يصبح مثقفاً عبر طقوس أشبه ما تكون بالطقس الديني و ( هذا حديث يحتاج لكثير مداد للبت فيه). صارع محمد خير هؤلاء عبر مقلاع داؤد الذي تمثّله كتاباته ونازلهم لوحده مُهتماً بالجيل الجديد وكافراً بأي نموذج يوصف بالقدوة؛ فقد كان يؤمن أن ّ هذا الجيل هو محطم الأصنام الذهنية وأوثان المعبد الثقافي، وأن الثّقافة والكتابة ليست حكراً على من أطلقوا على أنفسهم إسم (الكهنة). ولذلك فقد حورب في المنصات الأدبية والثقافية وكذا المؤسسات كردّ فعل على محاربته للمعبد الذي سقط لوحده فقد نخر السوس أطر ما يسمى بالثقافة والفكر في السودان سواء من قبل السلطة أو المثقف الانتهازي. وأعرف أن أناسٌ كُثر لم يكن أحداً يريد أن ينتبه لمنتوجهم الفكري أو الأدبي وذلك لأنهم خارج دائرة الشلة واستحضر أسماء كالمفكرمحمد أبو القاسم حاج حمد والروائي عماد البليك الذي يكتب الرواية بأفق فكري واسع لم أجد أحداً يفعل ذلك في الرواية السودانية التي لا أجزم أنني قرأت كل منتوجها ولكنني أزمع بأنني بطريقة ما قد أحطت بها علماً ضمن ثيماتها والقراءات التي توفرت لي . ولاشك أن محمد خير ضمن هذه القائمة وأسماء أخرى قد لا أعرفها.
عرّف قاموس المعاني الجامع كلمة (شِلّة) والجمع شلاّت وشلل بأنها جماعة من الأصدقاء ذات ميول واحدة. وكجزء من إفرازات الممارسة السياسة والثقافية يتحلق أفراد من الانتهازيين (انتهازية واعية) حول شخصية يستطيع هو من خلالهم تحقيق أهدافه، ويستطيعون هم تحقيق أهدافهم أيضاً، على حساب المشاريع والقضايا. وهذه الشللية في غالبيتها تنشأ للتآمر على القطيع الكبير والسيطرة على كل شيء من الموارد واتخاذ القرار..الخ. وتذخر مؤسساتنا بهذه النوعية، فالشلّة توجد في المؤسسات السياسية كلها دون استثناء، وفي المؤسسات الخدمية في الصحة والتعليم والمصالح الحكومية والمنظومة الأمنية، وكذلك في الوسط الثقافي، وأخشى أن تطرق أبواب أسرنا أيضاً كظاهرة خطيرة جداً.
في ورقتي التي نشرت مطلع العام الماضي (دراسات في العقل السياسي السوداني ) كنت قد أشرت إلى مفهوم الشلّة ؛ الشلة السّياسية* فالشلة؛ دائماً صغيرة في مجموع الأفراد، ولكنها نافذة، وهي البذرة الأولى لأي انشقاقات، ولأي شلة أخرى جديدة. صعدت الشلة السياسية وامتطت الفضاء السياسي والثقافي ؛ وأقول الشلة وليست النخبة، فهي ظاهرة لا تُعبِّر عن المفهوم التاريخي للنّخبة ودورها في الحياة العامة، بل العكس فإن المجتمع السوداني بعقليته هذه؛ عاجز عن إنتاج نخب قادرة على العمل بموازاة المؤسسات، وتعبر عن عجز آخر يتجلى في كون المؤسسات التقليدية عاجزة عن إنتاج أدوات ديمقراطية للمشاركة. حدث ذلك في مجتمعاتنا التي يمكن وصفها بمجتمعات الانتقال الطويل؛ وهي المجتمعات التي تتحدث كثيراً عن المشاركة بدون مشاركة فعلية؛ وتتحدث عن الرأي العام وفي الأغلب تعجز عن إنتاج رأي عام أو توافق عام، فيما تحاول الشلل السياسية والثقافية وارتباطاتها الإعلامية تصنيع الرأي الذي تريده والتعبير عنه، وكأنها هي من يمثل الرأي العام وهذا الأقسى فيما يحدث. لم تظهر الشلة السياسية مع قيام الحركة الطلابية، ولكن الحراك الطلابي عمّقها ووضع أسسها، فنحن نرى أن تأثير الشلة الطلابية على العمل السياسي الحالي ما يزال مزدهراً، ويمكن رؤية السياسيين الذين ما يزالون مأسورين بـ(الدفعة). وتعتبر الشلة وزمالة الدراسة مهمةً في الالتحاق بالقطيع الصغير الذي يقود السياسة أو الثقافة ويتذرع باحترافيتها مقصياً الآخرين؛ والشلة آلية لتوفير سياق يمكن من خلاله تأسيس علاقات شخصية وثيقة داخل العمل السياسي والثقافي، بما يضمن عملية التبادل وضمان الولاءات.
ولكن ولأن محمد خير الذي أعتبره محطم أصنام صناعات الشلة ، لم يكن يأبه بهذا الاقصاء على الاطلاق فلذلك لحقه ما لحقه من عدم إعتراف إلا على استحياءٍ.
في روايته الأخيرة( مذكرات شاعر ميت) التي صدرت عن دار الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر والتوزيع كتب في صدر الكتاب إهداءاً إلى شخصي في مفاجأة سارة بالنسبة إليّ . في مذكرات شاعر ميت لم تكن الرواية مجرد سيرة ذاتية متخيّلة، بل هي مرثية للفن في عصر لا يرحم المبدعين. حيث طرح أسئلة جوهرية عن دور الشعر في زمن الأزمات، وكيف يحافظ المبدع على إنسانيته وسط العدمية وقد احتفلت الرواية باللغة كملاذ أخير حتى عندما يفقد الشاعر كل شيء آخر؛ وقد استخدم فيها تيار الوعي والانزياحات الزمنية لتعكس تشظي هوية الشاعر وذاكرته، وتندرج الرواية ضمن تيار “الرواية الشعرية” في الأدب العربي الحديث، وحيث تذوب الحدود بين الأجناس الأدبية. يمكن مقارنتها بأعمال مثل “اللوح الأزرق” لجيلبرت سينويه في استكشافها للأسئلة الوجودية عبر السرد . كما تذكرنا بتجارب روائية أخرى تعتمد المذكرات كإطار ويمكن اعتبار الرواية جزءًا من حركة أدبية ترفض التصنيفات التقليدية، مما يجعلها نصًا مفتوحًا للتأويلات المتعددة.
كان آخر عهدي بالاستاذ محمد خير في بديات هذا العام وبالتحديد في السابع والعشرون من يناير حين تحادثنا عبر الهاتف للاتفقا على اقامة معرض كتب لدار الموسوعة في مدينة كوستي ؛ وربما يعانق روايته التي صدرت ولم يراها؛ وبعدها أتاني نعيه عبر الوسائط ؛ كنت مذهولاً من هذه الفاجعة وحاولت الانكار وذلك حين إتصلت ببعض الاصدقاء والذين دائماً ما بادرتهم بالقول ( أخبار محمد خير شنو) وكنت أرجو أن أسمع إجابة من شاكلة ( لقد تحدثنا قبل قليل حاول الاتصال به ربما شبكة كوستي ضعيفة) ولكن كانت تلك الأمنيات كانت سرابِ بقيعة حسبته ماءاً فاذا به الفراغ الكبير الذي تركه الاستاذ محمد خير .
محمد خير كان آخر مثقفاً متصوّفاً بمعنى الكلمة.
* مجتزأ من ورقتنا حول دراسة العقل السياسي السوداني
