كتاب “تاريخ الرق في السودان” بترجمة وتحرير بدر الدين الهاشمي
يعرض هذا الملخص التحليلي مضمون العمل الذي ترجمه وحرره بدر الدين الهاشمي، والمستند إلى أبحاث غربية حول تاريخ الرق في السودان، مع التركيز على مقال البروفيسور روبرت أو. كولنز الذي ترجمه الهاشمي، والمقالات الغربية الأخرى التي تناولها في مشروعه التوثيقي.
الإطار التاريخي والجذور القديمة (2900 ق.م – القرن 7 م)
- البدايات الفرعونية:
– تؤكد النقوش الحجرية قرب الشلال الثاني (2900 ق.م) أن الرق في السودان بدأ مع الحملات المصرية على النوبة، حيث أُسر الملك النوبي وأتباعه كعبيد لخدمة الفراعنة في الجيش أو القصور .
– لم يكن الاقتصاد المصري يعتمد على العبيد إلا في مناجم الذهب والنوبة، بينما استُخدموا كـ”ملكية خاصة” للفرعون .
- مملكة كوش والاحتلالات اللاحقة:
– صدّت كوش غزوات البطالمة والرومان (23 ق.م)، لكنها سقطت عام 350م بيد مملكة أكسوم الإثيوبية لأسباب توسعية لا استرقاقية .
– في العصر المسيحي (543–580م)، اعتُبر سكان النوبة “ملكًا قانونيًا” لملك مقُّرة المسيحي، مما أرسى تقنينًا مبكرًا للرق .
المحطات المفصلية في تشريع الرق (القرن 7–19 م)
- معاهدة البقط (652 م):
– أول وثيقة تنظم الرق بين النوبة المسيحية والعالم الإسلامي، وتلزم النوبة بتسليم 360 عبدًا سنويًّا لمصر مقابل سلع كالخيول والملابس .
– استمرت المعاهدة 600 عام، واعتُبرت نموذجًا فريدًا للعلاقات الدولية، رغم انتقادها لتعطيلها “الجهاد” .
- سلطنة الفونج (1504–1821):
– وصف الرحالة الألماني ثيودوركرمب سنار كأكبر سوق للرقيق في أفريقيا، حيث بيع 200–300 عبد يوميًا، مع فحصهم جسديًا بطريقة مهينة .
– استخدم الفونج العبيد في الجيش والزراعة، ووثقت فتاوى الشيخ خوجلي (1754) تقنين امتلاك الإماء وتوريثهم .
- الحكم التركي المصري (1821–1885)
– حقبة الذروة تحت حكم محمد علي باشا الذي هدف لبناء جيش من عبيد الجنوب.
– اشتهر تجار مثل الزبير باشا بحملات “صيد” منظمة في بحر الغزال، نُقل خلالها 100,000 شخص للعبودية بين 1875–1879 .
- الدولة المهدية (1885–1898):
– أحيت الرق كـ”مصدر دخل أساسي”، ومنعت تصدير العبيد لاستخدامهم في الجيش والأراضي الزراعية التابعة لبيت المال .
– هبطت أسعار العبيد لوفرة أعدادهم، مما جعلها “أسوأ مراحل الرق” وفق الروايات الغربية .
الجهود الدولية لإلغاء الرق وإرثه الاجتماعي
- فشل الإدارة البريطانية (1899–1956):
– أصدر كتشنر قانونًا يمنع الرق عام 1899، لكنه تراخى في التنفيذ خوفًا من غضب النخب السودانية.
– قدم زعماء مثل عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني عريضة 1952 تطالب بالتراجع عن القانون بحجة أن الرقيق “ليسوا عبيدًا بالمعنى الدولي” وأن الاقتصاد يعتمد عليهم .
- الآثار المجتمعية المستمرة:
– تشير الدراسات إلى أن 20–30% من سكان السودان كانوا عبيدًا مطلع القرن العشرين .
– بقيت رواسب العبودية في الخطاب الاجتماعي، مثل استخدام مصطلحات “عبد” و”فرخ/ة”، ووصف السودانيين النيليين للون بشرتهم بـ”الأخضر” تمييزًا عن “الأسود” المرتبط بالعبيد .
- التجليات الأدبية:
– كشفت روايات مثل “شوق الدرويش” (حمور زيادة) “زهرة الصبار” (الزين بانقا) عن استمرار التمييز ضد أحفاد العبيد، وربطت بين الرق التاريخي والحروب الأهلية .
تحليل نقدي لمساهمة الهاشمي والأبحاث الغربية
– قيمة التوثيق: قدم كولنز (ومن بعده الهاشمي) تحليلًا شاملاً يعتمد على مصادر نادرة كوثائق الشيخ خوجلي وروايات الرحالة الأوروبيين، مبرزًا تحول الرق من “ممارسة قبلية” إلى “نظام اقتصادي منظم” .
– ثغرات البحث: ركزت الأبحاث الغربية على الحقبة التركية–المهدية، وأهملت تداعيات الرق في الجنوب وجبال النوبة ما بعد 1956 .
– دور الترجمة: أعاد الهاشمي إحياء أعمال غربية مُهمَشة، كاشفًا كيف شكَّلت الاتفاقيات (مثل البقط) العقلية الاسترقاقية في السودان .
الخاتمة: الرق كجرح تأسيسي
يؤكد العمل المترجم أن الرق لم يكن مجرد “تجارة” بل بنية اجتماعية-اقتصادية هيكلت العلاقات بين شمال السودان وجنوبه، وتركت إرثًا من العنصرية تجلى في الحرب الأهلية وانفصال الجنوب. رغم جهود الهاشمي في كشف هذه الحقائق، تبقى مقاربة “الجبروت الغربي” في تناول تاريخ السودان إشكالية، إذ تُهمِش الروايات المحلية للأرقاء أنفسهم
