السياق التاريخي ومؤلف الكتاب
– المؤلف: د. محمد سعيد القدال (١٩٣٥-٢٠٠٨)، مؤرخ وأكاديمي سوداني شهير، اختص بدراسة التاريخ السوداني الحديث والحركات السياسية والدينية. أمضى فترة اعتقال سياسي في سجن كوبر خلال حقبة نظام نميري
– السياق السياسي: كُتب الكتاب كشهادة مباشرة على تجارب الاعتقال السياسي في السودان، خاصة في حقبة السبعينيات والثمانينيات، حيث تم استخدام السجون لقمع المعارضين. يوثق القدال في الكتاب انتهاكات نظام مايو (١٩٦٩-١٩٨٥) ضد خصومه السياسيين .
سجن كوبر: البنية والوظيفة
– رمز القمع: يصف القدال سجن كوبر كرمز للقمع السياسي في السودان، بأسواره العالية التي “ظلت عصية على التسلق”، مع الإشارة إلى محاولة هروب واحدة ناجحة لسجين مصري تم إلقاء القبض عليه لاحقًا .
– التقسيم الداخلي:
– السرايا: جناح “عتاة المجرمين” حيث يتحول فناءه (“الحوش”) إلى سوق غير رسمي لبيع الشاي والقهوة والسجائر وحتى المخدرات (مثل “البنقو” – نوع من الحشيش) بشكل علني .
– القسم السياسي: مخصص للمعتقلين السياسيين الذين تعتبرهم الحكومة “معادين لها”، وهو المكان الذي قضى فيه القدال فترة اعتقاله .
الحياة اليومية وآليات السيطرة
– الاقتصاد السري: يكشف الكتاب عن نشاط اقتصادي موازٍ داخل السجن، حيث يدير السجناء سوقًا للمواد الاستهلاكية والممنوعات، مما يعكس قدرة السجناء على تنظيم أنفسهم رغم القيود .
– آليات القمع:
– “الكشة”: عمليات التفتيش المفاجئة التي تجريها إدارة السجن نهارًا أثناء خروج السجناء، حيث تصادر الممنوعات والأسلحة، لكن السجناء “سرعان ما يقومون بتجميعها من جديد” .
– العنف الممنهج: يذكر القدال أن نظام نميري كان “أول سودانيين يبتدرون العنف الدموي في معترك السياسة”، مشيرًا إلى إعدام قيادات مثل عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ .
المقاومة والصمود الإنساني
– المقاومة الثقافية: يوثق الكتاب كيف تحول السجن إلى فضاء للمقاومة الرمزية عبر:
– الأناشيد السياسية: مثل أناشيد الفنان محمد وردي (“السجن ليس لنا نحن الأباة السجن للمجرمين الطغاة”) التي كانت ترفع معنويات المعتقلين وتهز أسوار السجن .
– الأدب: تلحين قصائد لمحجوب شريف (“أكتوبر ديناميتنا”) وسميح القاسم داخل السجن، كشكل من أشكال التحدي .
– التضامن الإنساني: رغم الظروف، يبرز القدال لحظات التضامن بين السجناء، مثل قصة الدواعش الذين قدموا الماء للمعتقلين الجدد، رغم اختلافاتهم الأيديولوجية .
الأبعاد التحليلية للكتاب
– السجن كمجتمع مصغر: يكشف الكتاب كيف يعيد السجن إنتاج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للسودان في فضاء مغلق، مع تمظهرات الطبقية (بين مجرمين وسياسيين) والفساد (تداول المخدرات بعلانية) .
– توثيق انتهاكات الأنظمة: يعتبر الكتاب وثيقة تاريخية تدين سياسات القمع، لا سيما استخدام “العنف الدموي” ضد المعارضة، كما في أحداث ١٩٧١ واغتيال قيادات الحزب الشيوعي .
– البعد الرمزي لكوبر: تحول السجن إلى أيقونة للصراع السياسي السوداني، حيث استخدم لاحقًا لاحتجاز رموز نظام البشير (مثل نافع علي نافع وأحمد هارون) قبل هروبهم خلال أحداث ٢٠٢٣ .
️ أهمية الكتاب وإرثه
– شهادة لا مثيل لها: يقدم رواية مباشرة من داخل أحد أشهر سجون السودان، مكملًا أعمال القدال الأخرى مثل “معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” .
– مرجعية تاريخية واجتماعية: يكشف عن آليات عمل الأنظمة الاستبدادية وتأثير السجون على تشكيل الوعي السياسي السوداني، خاصة في حقب التناوب بين الديمقراطية والانقلابات العسكرية .
– إرث مستمر: رغم وفاة القدال (٢٠٠٨)، بقي الكتاب مرجعًا لفهم انهيار الدولة السودانية الحديثة، لا سيما بعد هروب رموز النظام من كوبر عام ٢٠٢٣، مما أعاد إحياء ذاكرة “كوبر” كفضاء للقمع والتحرر .
الخاتمة: كوبر كاستعارة للذاكرة السودانية
“كوبر” ليس مجرد ذكريات شخصية، بل هو أرشيف حي لتاريخ السودان المضطرب. القدال، بوصفه مؤرخًا وضحية، يحول السجن إلى استعارة للصراع بين السلطة والحرية، حيث تلتقي الرواية الذاتية بالتحليل المجتمعي. الكتاب يشكل جسرًا بين الماضي والحاضر، خاصةً عندما أعادت أحداث ٢٠٢٣ فتح أبواب كوبر وهروب سجناء النظام القديم، مؤكدة أن ذاكرة السجون السياسية لا تزال حية في الضمير الجمعي السوداني .
