السياق التاريخي ومكانة الكتاب
– المؤلف: د. محمد سعيد القدال (1935–2008) مؤرخ سوداني مرموق، تخصص في تاريخ السودان الحديث والحركات السياسية والدينية، وعمل أستاذاً في جامعتي الخرطوم وعدن. تميزت أعماله بالعمق الأكاديمي والاعتماد على الوثائق الأرشيفية .
– الكتاب: يعد أول دراسة منهجية تُحلل العلاقات بين دولة المهدية السودانية وإثيوبيا (الحبشة) خلال فترة التأسيس والصراع (1881–1898). يندرج ضمن سلسلة أبحاث القدال عن الدولة المهدية، مثل “السياسة الاقتصادية للدولة المهدية” و”الإمام المهدي: لوحة لثائر سوداني” .
. المحاور الرئيسية للدراسة
أ. السياسة الداخلية لدولة المهدية
– إدارة التنوع العرقي والديني: حلل القدال تعامل المهدي مع القبائل السودانية المتنوعة (مثل البجة والدناقلة)، واعتماده على الخطاب الديني لتوحيدها تحت راية “الجهاد”. كما ناقش سياسات إعادة توزيع الثروة عبر “بيت المال” وكيف ساهمت في تماسك الدولة الوليدة .
– التحديات الاقتصادية: ربط الكتاب بين ضعف البنية التحتية للدولة وصعوبة فرض النظام الضريبي، مما أدى إلى اعتمادها على “الغنائم” من الحملات العسكرية، وهو ما زاد التوتر مع الجوار الإثيوبي .
ب. العلاقات السودانية-الإثيوبية: من التحالف إلى الصدام
– مرحلة التحالف (1881–1885): وثّق القدال التواصل المبكر بين المهدي والإمبراطور يوحنا الرابع، الذي رأى في المهدية حليفاً ضد المصريين والبريطانيين. تم تبادل الهدايا والرسائل التي تؤكد الاعتراف المتبادل .
– تحول نحو الصراع (1885–1898): بعد موت المهدي وتولي الخليفة عبد الله التعايشي، تفجر الصراع بسبب:
– النزاع الحدودي: اشتداد الغارات المهدية على مناطق بني شنقول الإثيوبية الغنية بالذهب والعاج.
– الخلفية الدينية: اعتبار المهديين لإثيوبيا “دار حرب” لرفضها البيعة، ووصف الإثيوبيين للمهدية بـ”الهرطقة الإسلامية” .
– معركة القلابات (1889): نقطة التحول الفاصلة، حيث قُتل الإمبراطور يوحنا فيها، وحلّ محله منليك الثاني الذي تحالف مع الإيطاليين لمواجهة المهدية، مما أضعف الدولة السودانية .
ج. الدين كأداة سياسية
– المنشورات الدينية: كشف الكتاب كيف استخدم المهدي والخلافة منشورات دينية لتبرير الغزوات، مثل فتوى “جواز قتال الحبشة لرفضها الإسلام”. بالمقابل، نشر الإثيوبيون خطابات تندد بـ”انحراف العقيدة المهدية” .
– الصوفية مقابل المسيحية: حلل القدال توظيف الرموز الصوفية (كادعاء المهدي اتصاله بالرسول في المنام) لتعزيز شرعيته، بينما ركز الإثيوبيون على صورة “الحبشة مملكة مسيحية حصينة” .
٣. منهجية القدال ومصادره
– الاعتماد على الوثائق الأولية: استند إلى مراسلات المهدي المحفوظة في دار الوثائق السودانية، ودفاتر يوميات القادة العسكريين، ووثائق الأرشيف الإثيوبي التي تُرجمت خصيصاً للدراسة .
– المقارنة بين الروايات: قارن بين الرواية السودانية (مثل مذكرات بابكر بدري) والإثيوبية (مثل سجلات القصر الملكي في أديس أبابا)، وكشف التناقضات في سرد أحداث مثل معركة القلابات .
– التحليل متعدد الأبعاد: جمع بين التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن الصراع لم يكن دينياً صرفاً بل تسيطر عليه المصلحة المادية (السيطرة على طرق التجارة) .
٤. إسهامات فريدة ونقد
– كشف التناقض الداخلي في دولة المهدية: بين القدال أن انشغال الخليفة التعايشي بقمع المعارضين الداخليين (مثل خصومه من الأنصار) أضعف قدرة الدولة على مواجهة التهديدات الخارجية .
– دور العوامل الاقتصادية: أثبت أن الرغبة في السيطرة على منابع النيل الأزرق وطريق التجارة إلى البحر الأحمر كانت المحرك الخفي للصراع، وليس الدافع الديني وحده .
انتقادات للكتاب:
– تحيز نسبي: بعض التحليلات تبرز تأثر القدال بموقفه النقدي من الإسلام السياسي، خاصة في تفسيره لخطابات المهدي.
– إغفال المصادر الأوروبية: لم يعتمد بشكل كافٍ على وثائق القنصليات الإيطالية والبريطانية التي رصدت تحركات الطرفين .
٥. الأهمية التاريخية والإرث
– إضاءة منطقة مجهولة: يعد مرجعاً أساسياً لفترة حيوية غيبتها الدراسات الاستعمارية التي ركزت على الصراع الأنغلو-مهدي، متجاهلة البعد الإفريقي (السوداني-الإثيوبي) .
– رؤية استباقية للأزمات المعاصرة: قدم إطاراً لفهم جذور التوتر السوداني-الإثيوبي الحديث، خاصة حول حدود منطقة الفشقة وخلافات سد النهضة .
– نموذج للتاريخ المتصل: بين كيف أن تحالف منليك الثاني مع الإيطاليين بعد معركة القلابات مهّد لاحقاً لغزو البريطانيين للسودان عام 1898، مما يظهر ترابط مصائر الدول الإفريقية .
الخاتمة: المهدية والحبشة كدراسة للقوة والهشاشة
يقدم القدال في هذا العمل تحليلاً لا يقتصر على الصراع العسكري، بل يكشف هشاشة دولة المهدية رغم انتصاراتها الظاهرية؛ فقد تجاهل قادتها تعقيدات الجغرافيا السياسية والتحالفات الإقليمية، فضلاً عن إدارة التنوع الداخلي. كما يظهر أن إثيوبيا استفادت من المرونة الدبلوماسية (التحالف مع الأوروبيين) لتعويض هزيمتها العسكرية. الكتاب بذلك ليس سجلاً تاريخياً فحسب، بل درساً في تشابك الدين بالاقتصاد وتداعيات القرارات السياسية على مصير الأمم .
