سلاطين ورعايا زنجبار في القرن ١٩: قراءة جديدة في عصر البوسعيد في شرق أفريقيا ووسطها”

يوليو 28, 20250

 

تأليف: أ.د. أحمد عبد الدايم محمد حسين  

الناشر: الفكرة العربية للمعارف  

 ١. المنهجية الفريدة ومصادر البحث

يتميز الكتاب باعتماده على أرشيفات غير مستكشفة سابقاً، شملت:  

الأرشيف البريطاني (وزارة الخارجية، المستعمرات، تقارير الحكام والمبشرين) .  

الأرشيفات العربية (العمانية والمصرية) مع تحليل وثائق من مراسلات السلاطين وتقارير القناصل .  

شهادات الرحالة والمذكرات الشخصية التي توثق التفاعل اليومي بين السلاطين والرعايا .  

ابتعد المؤلف عن التحيز الأيديولوجي، مقدماً قراءة متوازنة تعيد تقييم دور البوسعيد دون “ليّ عنق الحقائق” .  

٢. توسعات البوسعيد: من الازدهار إلى التراجع 

يحلل الكتاب مراحل التوسع العُماني في أفريقيا:  

العصر الذهبي (1804-1856): تحت حكم سعيد بن سلطان، الذي نقل العاصمة من مسقط إلى زنجبار عام 1832، وحوّلها إلى مركز تجاري عالمي للقرنفل والعاج، مستغلاً موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي .  

التقسيم التاريخي (1856): بعد وفاة سعيد بن سلطان، انقسمت الإمبراطورية بين ابنيه: ماجد (زنجبار) وثويني (عُمان)، مما أضعف النفوذ العُماني الممتد من سواحل باكستان حتى مدغشقر .  

الضغوط الأوروبية: اضطر السلطان برغش بن سعيد (1870-1888) للتخلي عن أراضي البر الأفريقي للألمان والبريطانيين عبر “معاهدة هليجولاند-زنجبار” (1890)، التي حولت السلطنة إلى محمية بريطانية .  

٣. علاقة السلاطين بالرعايا: نموذج التعددية الفريدة

يكشف الكتاب عن آليات إدارة التنوع الإثني والديني:  

الهرمية الاجتماعية: احتلت النخبة العُمانية القمة، يليها العرب الشيرازيون (من أصول فارسية)، ثم الهنود (كطبقة تجارية)، وأخيراً الأفارقة الأصليين (الهاديمو والتومباتو) .  

سياسة الاندماج: شجّع السلاطين التزاوج بين العرب والسكان المحليين، وأنشأوا نظاماً قضائياً يحترم العادات المحلية إلى جانب الشريعة الإسلامية .  

الصراعات الخفية: رغم ادعاء الانسجام، ثمة توثيق لتمردات محلية (مثل تمرد المزروعي في مومباسا) بسبب التمييز في توزيع الثروة .  

 ٤. العلاقات مع الأجانب: من الندية إلى التبعية  

يُظهر التحول الدراماتيكي في سياسة البوسعيد الخارجية:  

الندية المبكرة: تعامل السلطان سعيد بن سلطان مع بريطانيا كشريك تجاري متكافئ، ورفض شروطها في منع تجارة الرقيق حتى عام 1873 .  

الخضوع التدريجي: بعد 1890، أصبح السلاطين (مثل علي بن سعيد وحمود بن محمد) أدوات تنفذ سياسات البريطانيين، خاصة في إلغاء الرق وإعادة هيكلة الجيش .  

الحرب الإنجليزية الزنجبارية (1896): مثال صارخ على فقدان السيادة؛ حيث قُصِف قصر السلطان خالد بن برغش في 38 دقيقة فقط لإجباره على التنحي لصالح حمود الموالى لبريطانيا .  

 ٥. دور العرب في تحديث وسط أفريقيا  

يسلط الضوء على إسهامات غير معروفة:  

البنية التحتية: أنشأ برغش بن سعيد شبكة طرق وميناء ستون تاون، وأدخل التلغراف عام 1873 .  

الزراعة العلمية: طور العُمانيون مزارع القرنفل باستخدام تقنيات ري متقدمة، جعلت زنجبار تنتج 90% من القرنفل العالمي في 1880 .  

التثاقف الحضاري: أدخلوا العمارة العربية-الفارسية (كما في قصور بيت العجائب وقلعة العرب)، والتي أصبحت اليوم مراكز جذب سياحي .  

٦. قراءة نقدية: إخفاقات مشروع البوسعيد 

يناقش الكتاب أسباب انهيار النموذج:  

الفساد الهيكلي: تورط بعض السلاطين في تجارة الرقيق سراً رغم حظرها، مما أضعف شرعيتهم أمام الرعايا الأفارقة .  

إهمال التحديث السياسي: فشلوا في بناء جيش نظامي حديث، أو مؤسسات دستورية تحول دون الاستبداد .  

القومية الأفريقية الصاعدة: تجاهل تحذيرات مبكرة عن تنامي حركات مثل “حزب أفروشيرازي” التي قادت ثورة 1964 الدموية ضد العرب .  

٧. الإرث الثقافي وفرص التنمية المستدامة 

يختتم برؤى عملية لإحياء تراث البوسعيد:  

قصور كمراكز تراث: يقترح تحويل قصور ستون تاون إلى متاحف تفاعلية تعرض تاريخ التبادل الثقافي العربي-الإفريقي .  

سياحة الذاكرة: تصميم مسارات سياحية تتبع خطوط تجارة القرنفل والعبيد، كوسيلة للتوعية التاريخية .  

دروس للحاضر: أهمية التعددية كضمان للاستقرار في المجتمعات الأفريقية المعاصرة .   

 ٨. الخلاصة: لماذا يُعد هذا الكتاب مرجعاً فريداً؟

سدّ ثغرة في التاريخ الأفريقي: أول دراسة عربية شاملة تعتمد على أرشيفات متعددة اللغات .  

نموذج للكتابة التاريخية المتوازنة: يجمع بين التحليل الأكاديمي وسردية أدبية جذابة .  

إعادة الاعتبار لدور عُمان الحضاري: يكشف كيف صنع البوسعيد “فضاءً ثقافياً مشتركاً” بين العرب والأفارقة قبل قرون من مفهوم العولمة .  

> الكتاب يُختزل في مقولته الجوهرية: “لم تكن زنجبار إمبراطورية عربية هابطة على أفريقيا، بل كانت جسراً ارتقى به الطرفان معاً“.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *