تأليف: أ.د. أحمد عبد الدايم محمد حسين
الناشر: الفكرة العربية للمعارف
١. المنهجية الفريدة ومصادر البحث
يتميز الكتاب باعتماده على أرشيفات غير مستكشفة سابقاً، شملت:
– الأرشيف البريطاني (وزارة الخارجية، المستعمرات، تقارير الحكام والمبشرين) .
– الأرشيفات العربية (العمانية والمصرية) مع تحليل وثائق من مراسلات السلاطين وتقارير القناصل .
– شهادات الرحالة والمذكرات الشخصية التي توثق التفاعل اليومي بين السلاطين والرعايا .
ابتعد المؤلف عن التحيز الأيديولوجي، مقدماً قراءة متوازنة تعيد تقييم دور البوسعيد دون “ليّ عنق الحقائق” .
٢. توسعات البوسعيد: من الازدهار إلى التراجع
يحلل الكتاب مراحل التوسع العُماني في أفريقيا:
– العصر الذهبي (1804-1856): تحت حكم سعيد بن سلطان، الذي نقل العاصمة من مسقط إلى زنجبار عام 1832، وحوّلها إلى مركز تجاري عالمي للقرنفل والعاج، مستغلاً موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي .
– التقسيم التاريخي (1856): بعد وفاة سعيد بن سلطان، انقسمت الإمبراطورية بين ابنيه: ماجد (زنجبار) وثويني (عُمان)، مما أضعف النفوذ العُماني الممتد من سواحل باكستان حتى مدغشقر .
– الضغوط الأوروبية: اضطر السلطان برغش بن سعيد (1870-1888) للتخلي عن أراضي البر الأفريقي للألمان والبريطانيين عبر “معاهدة هليجولاند-زنجبار” (1890)، التي حولت السلطنة إلى محمية بريطانية .
٣. علاقة السلاطين بالرعايا: نموذج التعددية الفريدة
يكشف الكتاب عن آليات إدارة التنوع الإثني والديني:
– الهرمية الاجتماعية: احتلت النخبة العُمانية القمة، يليها العرب الشيرازيون (من أصول فارسية)، ثم الهنود (كطبقة تجارية)، وأخيراً الأفارقة الأصليين (الهاديمو والتومباتو) .
– سياسة الاندماج: شجّع السلاطين التزاوج بين العرب والسكان المحليين، وأنشأوا نظاماً قضائياً يحترم العادات المحلية إلى جانب الشريعة الإسلامية .
– الصراعات الخفية: رغم ادعاء الانسجام، ثمة توثيق لتمردات محلية (مثل تمرد المزروعي في مومباسا) بسبب التمييز في توزيع الثروة .
٤. العلاقات مع الأجانب: من الندية إلى التبعية
يُظهر التحول الدراماتيكي في سياسة البوسعيد الخارجية:
– الندية المبكرة: تعامل السلطان سعيد بن سلطان مع بريطانيا كشريك تجاري متكافئ، ورفض شروطها في منع تجارة الرقيق حتى عام 1873 .
– الخضوع التدريجي: بعد 1890، أصبح السلاطين (مثل علي بن سعيد وحمود بن محمد) أدوات تنفذ سياسات البريطانيين، خاصة في إلغاء الرق وإعادة هيكلة الجيش .
– الحرب الإنجليزية الزنجبارية (1896): مثال صارخ على فقدان السيادة؛ حيث قُصِف قصر السلطان خالد بن برغش في 38 دقيقة فقط لإجباره على التنحي لصالح حمود الموالى لبريطانيا .
٥. دور العرب في تحديث وسط أفريقيا
يسلط الضوء على إسهامات غير معروفة:
– البنية التحتية: أنشأ برغش بن سعيد شبكة طرق وميناء ستون تاون، وأدخل التلغراف عام 1873 .
– الزراعة العلمية: طور العُمانيون مزارع القرنفل باستخدام تقنيات ري متقدمة، جعلت زنجبار تنتج 90% من القرنفل العالمي في 1880 .
– التثاقف الحضاري: أدخلوا العمارة العربية-الفارسية (كما في قصور بيت العجائب وقلعة العرب)، والتي أصبحت اليوم مراكز جذب سياحي .
٦. قراءة نقدية: إخفاقات مشروع البوسعيد
يناقش الكتاب أسباب انهيار النموذج:
– الفساد الهيكلي: تورط بعض السلاطين في تجارة الرقيق سراً رغم حظرها، مما أضعف شرعيتهم أمام الرعايا الأفارقة .
– إهمال التحديث السياسي: فشلوا في بناء جيش نظامي حديث، أو مؤسسات دستورية تحول دون الاستبداد .
– القومية الأفريقية الصاعدة: تجاهل تحذيرات مبكرة عن تنامي حركات مثل “حزب أفروشيرازي” التي قادت ثورة 1964 الدموية ضد العرب .
٧. الإرث الثقافي وفرص التنمية المستدامة
يختتم برؤى عملية لإحياء تراث البوسعيد:
– قصور كمراكز تراث: يقترح تحويل قصور ستون تاون إلى متاحف تفاعلية تعرض تاريخ التبادل الثقافي العربي-الإفريقي .
– سياحة الذاكرة: تصميم مسارات سياحية تتبع خطوط تجارة القرنفل والعبيد، كوسيلة للتوعية التاريخية .
– دروس للحاضر: أهمية التعددية كضمان للاستقرار في المجتمعات الأفريقية المعاصرة .
٨. الخلاصة: لماذا يُعد هذا الكتاب مرجعاً فريداً؟
– سدّ ثغرة في التاريخ الأفريقي: أول دراسة عربية شاملة تعتمد على أرشيفات متعددة اللغات .
– نموذج للكتابة التاريخية المتوازنة: يجمع بين التحليل الأكاديمي وسردية أدبية جذابة .
– إعادة الاعتبار لدور عُمان الحضاري: يكشف كيف صنع البوسعيد “فضاءً ثقافياً مشتركاً” بين العرب والأفارقة قبل قرون من مفهوم العولمة .
> الكتاب يُختزل في مقولته الجوهرية: “لم تكن زنجبار إمبراطورية عربية هابطة على أفريقيا، بل كانت جسراً ارتقى به الطرفان معاً“.
