“رسالة عن السودان” للبكباشي محمد نجيب

يوليو 29, 20250

 

١. السياق التاريخي وأهداف التأليف  

أعدَّ محمد نجيب (برتبة بكباشي آنذاك) هذا الكتاب عام 1943، في ظلِّ مناخ سياسي متوتر بعد رفض البريطانيين لمطالب “مؤتمر الخريجين” السوداني بتقرير المصير . ضمَّ الكتاب ثلاث رسائل:  

– “ماذا يجري في السودان؟”: تحليل للأوضاع السياسية والاجتماعية.  

– “يد الاستعمار على حدود السودان”: كشف سياسات التفرقة البريطانية بين مصر والسودان.  

– “اللغة والأدب في جنوب الوادي”: تركيز على الروابط الثقافية المشتركة .  

هدفت الرسائل إلى كشف الحقائق المُغيّبة عن المصريين حول السودان، ومحاربة “الجهل” الذي رأى نجيب أنه جذر “المشكلة السودانية”، مع التأكيد على أن وحدة وادي النيل لا تتحقق إلا بالمعرفة المتبادلة .  

 ٢. التحليل المحوري لأفكار الكتاب  

المواجهة مع الاستعمار البريطاني:  

  – فضح سياسات “فرّق تَسُد” عبر تعزيز الانفصال الإداري والثقافي بين مصر والسودان، وإثارة النزعات القبلية .  

  – كشف مشروعًا بريطانيًّا لتقسيم السودان إلى 6 ولايات (مُرفَق بخريطة في طبعة 1954) بهدف جعله “هندًا ثانية” تشبه انفصال باكستان عن الهند .  

  – حذّر من توظيف المنظمات التبشيرية في جنوب السودان لتعميق الانقسام وإضعاف الإسلام .  

الوحدة الثقافية والاجتماعية:  

  – أبرز التشابك المجتمعي بين المصريين والسودانيين في العادات والأصول، مُشيرًا إلى أن الاختلافات طبيعية كتلك بين أقاليم مصر نفسها .  

  – نفى فكرة “هوية سودانية منعزلة”، ورأى أن الروابط اللغوية والأدبية (كالأدب النوبي المشترك) تُشكّل نسيجًا موحدًا .  

  – انتقد إهمال المصريين للسودان، قائلًا: “المصري يعرف عن أمريكا أكثر مما يعرف عن جاره السوداني” .  

مقترحات عملية لتعزيز الوحدة:  

  – إنشاء خط سكة حديد يربط البلدين، وتأسيس مؤسسات تعليمية وإعلامية مشتركة .  

  – تمثيل السودانيين في البرلمان المصري، ومنحهم وزارتين في الحكومة المصرية .  

  – إدراج شؤون السودان في مناهج التعليم المصري، وإنشاء مكاتب للدعاية المصرية في السودان .  

 

٣. السياق السياسي لنشر الكتاب (1954)  

نُشرت الطبعة الكاملة عام 1954 بعد تولّي نجيب رئاسة مصر، في ظلِّ صراع بين مصر وبريطانيا حول مستقبل السودان:  

أُضيفت الخريطة التوضيحية للمشروع البريطاني لتقسيم السودان، بهدف دعم شعار “وحدة وادي النيل” ضد التوجهات الانفصالية .  

استُخدم الكتاب كأداة سياسية لمواجهة حزب الأمة المدعوم بريطانيًّا، وتعزيز الحزب الوطني الاتحادي المؤيد للوحدة مع مصر .  

لاحظ تحليلات حديثة أن الخريطة مستندة إلى التقسيمات الإدارية البريطانية عام 1936، مع تعديلات مفتعلة (كضم أجزاء من إريتريا لكسلا) لخدمة الأجندة السياسية .  

 

٤. رؤى استشرافية وتحذيرات مبكرة 

انفصال الجنوب: تنبأ بأن السياسات البريطانية والتبشير المسيحي المكثف في الجنوب قد يؤدي إلى انفصاله، قائلًا: “لو أتيح للإسلام ما أتيح للمسيحية لَوُحِّدت الصفوف” .  

دارفور والمناطق المهمَّشة: حذّر من إهمال مشاكل غرب السودان، مُشيرًا إلى أن إهمالها قد يُفجّر صراعات تهدد الوحدة الوطنية .  

دور النخبة السودانية: لاحظ أن البريطانيين “صَبغوا النخبة السودانية بصبغتهم” لاستخدامها ضد المصالح المشتركة، ودعا إلى تمكينهم في أطر وطنية .  

 

 ٥. تقييم نقدي لأثر الكتاب  

قوة التحليل الميداني: اعتمد نجيب على احتكاكه المباشر بالسودانيين (كحاكم لسيناء وضابط في حروب السودان)، مما منحه رؤيةً أعمق من سواه من القادة المصريين .  

محدودية التأثير الفوري: رغم دقته، لم تُنفَّذ مقترحاته بسبب الإطاحة بنجيب عام 1954 ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ما أفقد مصر فرصة تاريخية لتعزيز علاقتها بالسودان .  

إرث مستمر في السودان: بينما مُحي اسم نجيب من التاريخ المصري لعقود، كرَّمه السودانيون بتسمية شارع رئيسي في الخرطوم باسمه، واعتبروه “ابنًا للبلدين” .  

 خلاصة: رسالة لم تكتمل  

يظل كتاب “رسالة عن السودان” وثيقةً استراتيجيةً تجسّد رؤيةً فريدةً لوحدة وادي النيل، لم تُستثمَر بسبب الصراعات السياسية. تحذيرات نجيب من التقسيم وإصراره على أن “المعرفة” هي أساس الوحدة، يجعله مرجعًا أساسيًّا لفهم جذور الأزمات السودانية المعاصرة، خاصةً بعد انفصال الجنوب (2011) وحرب دارفور، والتي رأى فيها كثيرون تحقيقًا لنبوءاته .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *