تُمثِّل المجموعة القصصية “سرادق عزاء أزرق” للكاتب السوداني عثمان الشيخ نسيجاً أدبياً مُعقداً يُحاكي الواقع السوداني المعاصر بكل تناقضاته، آلامه، هواجسه، وسُخريته المُرّة. تندرج المجموعة ضمن أدب القصة القصيرة المعاصرة التي ترفض التسطيح، وتتسلح بتقنيات سردية مُتعددة، ورؤية نقدية جريئة تلامس المُعضلات الوجودية والاجتماعية والسياسية.
- الثيمات الرئيسية والرؤية الفنية:
النقد الأدبي والثقافي الزائف: تفتتح المجموعة بقصة “الكاتب الشاب في محنته” التي تُعدّ نموذجاً بارعاً لتشريح المناخ الثقافي المأزوم. تُصوّر جلسة نقدية تتحول إلى مسرح للرياء، الانتهازية، والتقويم الأيديولوجي المُتعسف. النقاد الثلاثة يمثلون تيارات فكرية متصارغة (الشكلاني، الاشتراكي/الثوري، البيروقراطي) تُجهض العمل الإبداعي تحت وطأة خطابات جاهزة، مما يؤدي إلى إغماء الكاتب الشاب رمزياً وفعلياً. هذه القصة تضع إصبعها على جرح عميق: اغتراب المبدع بين مطرقة السلطة وسندان “الحراس” الثقافيين.
الذاكرة الجماعية والهوية: قصص مثل “قصة الفرقة ياي” و “الجهة الثانية من التسجيل” تعمل على استنطاق الذاكرة الجمعية. الأولى تُجسّد الأسطورة العسكرية وتشرب المجتمع لها حتى تتحول إلى غبار يخنق المدينة. الثانية تلتقط لحظة أنثروبولوجية فريدة لاستماع القرية لتسجيل قادم من الغربة، كاشفة عن شبكة العلاقات، الحنين، الغياب، والفجوات التي يخلقها الانزياح المكاني والزمني. هنا، الصوت المسجل يصبح أرشيفاً حياً للهوية والعلاقات.
المرض النفسي والوصم الاجتماعي: قصة “حكاية عماد سيف الدين الطيب” عبارة عن دراسة إنسانية عميقة لمعاناة الفرد من اضطراب ثنائي القطب في مجتمع يفسّر المرض بـ “المسّ الشيطاني”. تصور القصة الصراع المرير بين العلم (الطبيب) والخرافة (الخال)، وتُظهر القسوة المُطلقة التي يمكن أن يُمارسها المجتمع وأقرب الأقرباء تحت شعارات دينية واجتماعية مغلوطة.
الاغتراب والوجودية: قصص مثل “قبر يتحدث” و “من الذي علّم الطائرات الطيران” تغوص في عالم الاغتراب الوجودي والقلق البشري. بطلة الأولى هو أسير الوسواس القهري والتفاصيل الصغيرة التي تُعطل حياته وتقوده إلى مصيره العبثي. الثانية تُحول رحلة الطائرة إلى استعارة للحياة نفسها: التسليم للقوى المجهولة، الوهم بالأمان، والانتظار القلق لنهاية غير مضمونة. السؤال الوجودي “من الذي علَّم الطائرات الطيران؟” يتجاوز الآلة إلى مصير الإنسان.
النفاق الاجتماعي ومسرحيات الموت: تمنح القصة العنوانية “سرادق عزاء أزرق” المجموعة اسمها وتقدم نقداً لاذعاً لثقافة النفاق في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. الميت يصبح مسرحاً تُقدم عليه شخصيات حياته (الصديق الغادر، الزميل الوشاية، الحبيبة الانتهازية) أدواراً درامية من الرثاء الكاذب، مُحوّلة الفضاء الأزرق (فيسبوك) إلى “سرادق عزاء” وهمي يكشف هشاشة العلاقات وزيف المشاعر.
الأزمة المجتمعية والاقتصادية: “سماء مزدحمة بالوقود” هي لوحة تعبيرية حية لأزمة الوقود التي تتحول إلى مجتمع مصغر. الطابور الطويل يصبح مكاناً للبيع والشراء والسمسرة والطبابة والمحاماة، مُظهراً قدرة المجتمع على خلق اقتصاد موازٍ في أحلك الأزمات، لكنه يكشف أيضاً عن الفساد والاستغلال وتفشي قانون الغاب.
الحب كمفهوم مأزوم: “تعريف واحد للحب” و “عناق مثالي” تقدمان مفهوم الحب كشيء مستحيل، غائب، أو مشوّه. في الأولى، يبحث البطل عن تعريف للحب عبر مراقبة الطبيعة والحيوانات، لينتهي به المطاف إلى الانتحار، وكأن الحب الإنساني قد استنفد أغراضه. في الثانية، يتحول الاحتياج الإنساني الأساسي للعناق إلى هوس قاتل، في غياب تام لأي إمكانية للعلاقة الحميمة الحقيقية مع الآخر البشري.
- التقنيات والأسلوب:
التداخل الأجناسي: تمتزج القصة بالتقرير الصحفي (سماء مزدحمة)، والشهادة الأنثروبولوجية (الجهة الثانية)، والمونولوج الفلسفي (تعريف واحد للحب)، والحكاية الشعبية/الأسطورة (قصة الفرقة ياي، أيام الأسبوع).
الرمزية والمجاز: العنوان الرئيسي نفسه (“سرادق عزاء أزرق”) مجاز قوي. الأزرق هو لون السماء والفيسبوك والحداد، والسرادق هو فضاء الوهم الاجتماعي. كما تنتشر الرموز: الغبار (الأسطورة العسكرية الطاغية)، التسجيل (الذاكرة والغياب)، العمود الخرساني (القمع الاجتماعي والديني)، الطائرة (المصير المجهول)، الحذاء الجديد (الأوهام الاجتماعية والتفاوت الطبقي في “ألبرت أينشتاين في قريتنا”).
اللغة: لغة الشيخ تمتاز بالكثافة الشعرية أحياناً، وبالواقعية الجارحة أحياناً أخرى. يستخدم اللغة المحكية السودانية بحرفية لإضفاء المصداقية على الحوارات والفضاءات. لغته وصفية غنية، قادرة على رسم المشهد بكلمات دالة.
السرد: يتبنى الكاتب أحياناً الرؤية من الداخل (الضمير الثالث المطلع)، وأحياناً يقدم سرداً بصيغة المتكلم، مما يخلق تنوعاً في زوايا النظر وإحكام السيطرة على إيقاع القصة.
- الأبعاد النقدية والاجتماعية:
لا تكتفي المجموعة بالسرد الأدبي، بل تطرح أسئلة نقدية حادة:
دور المثقف: بين الانتهازية والانبطاح للأيديولوجيا أو الانكفاء على الذات.
العلاقة بين الفرد والمجتمع: حيث يظهر المجتمع غالباً كقوة قمعية تُشيطن الاختلاف (عماد) أو تُجرد العلاقات من صدقها (سرادق عزاء أزرق).
الهوية السودانية: كيف تُصاغ بين أسطرة الماضي (الفرقة ياي)، واغتراب الحاضر (الوقود، الطائرة)، وأوهام المستقبل (الحذاء).
السلطة بكل أشكالها: سلطة الناقد، سلطة الخرافة، سلطة النظام السياسي، سلطة السوق.
خاتمة:
“سرادق عزاء أزرق” هي مجموعة قصصية ناضجة ومُحكَمة، تثبت من خلالها عثمان الشيخ حضوره كصوت قصصي متميز في المشهد الأدبي العربي المعاصر. الكتاب هو مرآة مكثفة لمجتمع في حالة ارتباك وجودي واجتماعي وسياسي. قصصه، برغم قسوة بعضها، تنبع من تعاطف عميق مع الشخصيات المهمشة، الحالمة، والمحطمة. إنها سردية عن الخسارة بمعناها الواسع: خسارة البراءة، خسارة الصدق، خسارة العقل، خسارة الوطن الداخلي. المجموعة، في مجملها، هي “عزاء أزرق” للذين يسقطون صامتين في زحام الحياة، وتذكير بأن الأدب الحقيقي هو ذلك القادر على تحويل هذا السقوط إلى وقفة نبيلة، كما في قصيدة عبدالله شابو الافتتاحية، التي تختزل روح المجموعة: “سيكتب فوق الشواهد من بعدنا… بأنّا سقطنا سقوطًا نبيلًا.”
