📚 نظرة عامة
يقدم هذا الكتاب مجموعة من المقالات الإبداعية التي تجمع بين السرد الذاتي والتأمل الفلسفي والتاريخي، مكتوبة بأسلوب أدبي راقٍ يجمع بين الخواطر الشخصية والتحليل النقدي. يعكس الكتاب رحلة المؤلف الفكرية والشعرية والتشكيلية، ويستحضر ذكريات سنوات الدراسة في كلية الفنون الجميلة بالخرطوم، مع تركيز خاص على التحولات السياسية والاجتماعية في السودان منذ الاستقلال حتى الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل 2023.
الهيكل والمحتوى
- الكتابة الإبداعية كمنهج
يستعرض المؤلف تعريفات متعددة للكتابة الإبداعية، مناقشًا مقاربات سكوت ويلسون وكمال أبوديب وآخرين. يرى أن الكتابة الإبداعية تتجاوز التخييل لتشمل النصوص غير الخيالية التي تستخدم أدوات سردية وشعرية، كالمذكرات وأدب الرحلات، مع حضور قوي لصوت الكاتب وتأمّلاته الذاتية.
- النوستالجيا كموضوع وكمزاج سردي
يقدم تحليلاً عميقاً لمفهوم “النوستالجيا”، مقارناً بين المفهوم الغربي (الحنين إلى الماضي) والمفهوم العربي الأوسع (الحنين كتوق وشوق). يستشهد بشعراء كابن الرومي والمتنبي وابن عربي ليظهر كيف أن الحنين ليس هروباً من الحاضر، بل استعادة لحالات شعورية وجمالية ارتبطت بأمكنة وأزمنة محددة.
- السرد الذاتي كتاريخ جماعي
يعيد المؤلف رسم صورة للسودان في عقود الستينات والسبعينات من خلال عينيه كطالب في كلية الفنون. يصف الخرطوم كمدينة حية، منظمة، مليئة بالحيوية الثقافية والفنية، مع مقاهٍ ومكتبات ودور سينما ومنتديات ثقافية. هذه الصورة تتعارض تماماً مع وصفه للخرطوم في عهد الإسلاميين الذين حولوها – حسب رأيه – إلى مدينة “قذرة، فوضوية، وميّتة”.
- التحولات السياسية وتأثيرها على الثقافة
يربط المؤلف بين استقرار الحقبة الاستعمارية (البريطانية) وبين ازدهار الطبقة الوسطى والإنتاج الثقافي السوداني. يرى أن حقبة ما بعد الاستقلال شهدت تدهوراً متسارعاً بسبب فشل النخب السياسية والعسكرية، وصولاً إلى حكم الإسلاميين الذي يصفه بـ”المهدية الثانية”، والذي قاد – في رأيه – إلى تدمير المؤسسات وانهيار الدولة واندلاع الحرب الأهلية.
- النكبات السبع في التاريخ السوداني
يقدم المؤلف رؤية تاريخية تحليلية تُجمل النكبات الكبرى التي مر بها السودان، بدءاً من الغزو الفرعوني، مروراً بغزو الأحباش وخراب سوبا والاحتلال التركي المصري والمهدية، وصولاً إلى النكبة السابعة: حكم الإسلاميين والحرب الأهلية التي اندلعت في 2023. يرى أن هذه النكبة هي الأشد وطأة، وهي نتيجة طبيعية لتراكم إخفاقات الحكم الوطني.
- رؤية نقدية للماضي والاستعمار
يطرح المؤلف إشكالية “الزمن الجميل”، مذكراً بأنه كان زمن طبقة الأفندية المدينية التي ورثت الاستقرار من المستعمر البريطاني. يرفض فكرة أن ذلك الزمن كان “جميلاً” بمعنى الحرية والعدالة، بل كان استقراراً قائماً على القمع والتبعية. لكنه يعترف بأن ذلك الاستقرار سمح بفتحة ثقافية وإبداعية لم تتكرر.
- الكتابة في عصر الثورة الرقمية
يتناول تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على الكتابة والنشر، مشيراً إلى أنها كسرت احتكار النخب ووسّعت دائرة المشاركة، لكنها أيضاً جعلت النصوص الطويلة أقل انتشاراً، مما يبرر – في نظره – جمع نصوصه في كتاب ورقي.
التحليل النقدي
أبرز المقاربات النظرية في الكتاب:
– مقاربة سردية هوياتية: يستخدم الذاكرة الشخصية كمدخل لفهم التحولات الجمعية.
– نقد أيديولوجي: يحلل تأثير الأيديولوجيات (اليسارية، الإسلاموية، القومية) على الدولة والمجتمع.
– تاريخ ثقافي بديل: يربط بين الإنتاج الثقافي (شعر، غناء، فنون تشكيلية) والسياقات السياسية والاقتصادية.
– فلسفة الزمن والحنين: يطرح رؤية فلسفية للحنين كاستعادة للحظات جمالية وروحية، لا كهروب من الواقع.
إسهامات الكتاب الرئيسية:
- 1. توثيق لحظة تاريخية: يسجل بعين الفنان والمثقف تحولات السودان من الاستقرار النسبي إلى الانهيار الشامل.
- 2. نقد ذاتي وجماعي: لا يوجه النقد فقط للنخب الحاكمة، بل أيضاً للمجتمع الذي تقاعس أو تواطأ.
- 3. ربط الإبداع بالاستقرار: يقدم حجة قوية بأن الإبداع لا يزدهر إلا في مناخ الأمن والحرية النسبية.
- 4. رؤية قرآنية تطورية للأزمات: يفسر النكبات كعقاب جماعي وقانون كوني يستوجب المراجعة والتصحيح.
نقاط جدلية في الكتاب:
– النظرة إلى الاستعمار البريطاني: يعترف بإيجابياته الأمنية والتنظيمية رغم رفضه لطبيعته الاستغلالية.
– الهجوم الشامل على الإسلاميين: يقدم رؤية أحادية تقريباً، تُحمّلهم مسؤولية كل الدمار.
– الحنين الموصوف: رغم تحليله النقدي للنوستالجيا، يقع الكتاب أحياناً في فخ الحنين الرومانسي للماضي.
الأسلوب والأدبية
الكتابة هنا هي مزيج من:
– السرد الذاتي المليء بالتفاصيل الحسية (أصوات، روائح، مشاهد).
– التأمل الفلسفي المتعمق في مفاهيم الزمن والذاكرة والإبداع.
– التحليل السياسي الحاد والجريء.
– الشاعرية الواضحة في الصور والتشبيهات والإيقاع.
الخلاصة
“نوستالجيا: تجارب في الكتابة الإبداعية” ليس مجرد مجموعة ذكريات، بل هو:
– سيرة ذاتية لجيل عاش التحول من الأمل إلى اليأس.
– نقد تاريخي وسياسي لجذور الأزمة السودانية.
– بيان فكري يدعو إلى مراجعة شاملة للهوية والذاكرة والمستقبل.
– عمل أدبي متميز يجمع بين العمق الفني والصراحة النقدية.
الكتاب يُعد وثيقة أدبية وتاريخية نادرة، تقدم رؤية متكاملة – وإن كانت شخصية – لأزمات السودان الحديث، وتفتح أبواباً للحوار حول الذاكرة والهوية والمسؤولية الجماعية في زمن الانهيار.
