يقدّم هذا الكتاب دراسة نقدية معمّقة للمشروع الفني للفنان السوداني الراحل مصطفى سيد أحمد، مركزًا على تحولاته الجذرية في بنية الأغنية السودانية ومفردتها الشعرية. يعتمد المؤلف د. قرنق توماس ضل على منهجية تحليلية تستند إلى القراءة النصية والتاريخية والجمالية، مسلطًا الضوء على ثورة مصطفى على “المفردة الغنائية الرائجة” وارتباطها العضوي بالمسرح والدراما.
يبتدئ الكتاب بمدخل تأملي حول “كتاب المراثي” الذي كُتب في رحيل مصطفى، معتبرًا إياه تعبيرًا صادقًا عن الأثر العميق الذي تركه الفنان في الوجدان الجمعي السوداني. تظهر هذه المراثي – التي كتبها شعراء كبار مثل محمد الحسن سالم (حميد) وبشرى الفاضل وصالح حاج سعيد – كيف تحوّل رحيله إلى حدث ثقافي مُفجِر، كشف عن حجم التفاعل الشعبي مع فنه الذي تجاوز كونه مجرد غناء إلى صوت للضمير الوطني والإنساني.
يركّز المحور الرئيس للكتاب على تشريح مصطلح “شعراء مصطفى سيد أحمد الدراميين”، وهم مجموعة الشعراء الذين شكلوا عماد مشروعه التجديدي. يجادل المؤلف بأن مصطفى لم يكن مغنيًا تقليديًا، بل كان “ساردًا مغنيًا”، جمع بين السرد الدرامي والأداء الغنائي، مما جعل أغانيه تشبه “المسرحيات الغنائية”. وقد تحقق هذا من خلال تعاونه الوثيق مع شعراء امتلكوا رؤية درامية، مثل هاشم صديق وخطاب حسن أحمد وعمر الطيب الدوش ويحيى فضل الله وآخرين، حيث انتقلت الأغنية من وصف المرأة المهجورة والعواطف الفردية إلى معالجة قضايا اجتماعية وسياسية ووطنية ملحمية.
يتتبع الكتاب المسار الفني لمصطفى من بداياته التقليدية في مطبخ الأغنية السودانية (السبعينيات والثمانينيات)، حيث غنى لأشعار شعراء ذلك العصر مثل تجاني حاج موسى وعبدالرحمن مكاوي، إلى لحظة التحول الكبرى. فبعد صدامه مع “صناع الأغنية” التقليديين ونزع بعض أعماله منه، اختط مصطفى مسارًا ثوريًا مستقلاً، أصبح فيه ملحنًا ومنتجًا لفكرته الفنية. من هنا، بدأ في اختيار نصوص شعرية مختلفة وجديدة، مغايرة للسائد، من خارج المطبخ الغنائي المعتاد.
يُبرز الكتاب الثنائيات الإبداعية التي شكلت عماد مشروع مصطفى، ولا سيما مع:
– صالح حاج سعيد (شاعر المسافة): الذي قدّم رومانسية ثالثة مرتفعة، جمعت بين العاطفة الجياشة وخطاب شعري جديد، كما في “الحزن النبيل” و”المسافة“.
– مدني النخلي: الذي تميزت أشعاره بالرمزية والإنسانية العميقة، كما في “واقف براك والهم عصف“.
– محمد الحسن سالم (حميد): الذي قدّم نصوصًا ملحمية تعكس الهم الوطني والإنساني، كما في “نورا” و”عم عبدالرحيم“.
– شعراء مسرحيون مثل هاشم صديق (“حاجة فيك”) ويحيى فضل الله (“يا ضلنا”)، حيث تداخلت الأغنية مع الحكاية المسرحية.
كما يناقش الكتاب تأثير مصطفى الموسيقي والتلحيني، مشيرًا إلى تجاوزه للألحان الدائرية التقليدية نحو بناء موسيقي أكثر تعقيدًا وتصويرًا، كما في أعمال مثل “مريم الأخرى” و”مزيكة الحواري”، مما يظهره ليس كمغٍ فحسب، بل كموسيقي ملحن صاحب بصمة.
يخلص الكتاب إلى أن مصطفى سيد أحمد كان “فنان الثورة الثالثة” في الغناء السوداني، بعد خليل فرح ومحمد وردي. لقد نجح في انتزاع الأغنية من أسر المفردة الرائجة والموضوعات النمطية، ورفعها إلى فضاءات الحداثة والتعبير عن هموم الإنسان والوطن. لم يكن مشروعه فرديًا، بل كان ثمرة تعاون وثيق مع حلفاء من الشعراء الدراميين، شكلوا معًا مدرسة جديدة أعادت تعريف دور الأغنية كوسيط ثقافي واجتماعي وسياسي.
الخاتمة: يقدّم هذا الكتاب إسهامًا علميًا وأدبيًا رصينًا في توثيق وتحليل واحدة من أهم التجارب التجديدية في الفن السوداني. إنه ليس سردًا سيريًا فحسب، بل هو دراسة تحليلية تكشف كيف يمكن للفن، من خلال شراكة إبداعية واعية، أن يتحول إلى أداة تنوير ومقاومة وتشكيل للوعي الجمعي.
