
حرص الرائد الأفريقاني البارز ماركوس غارفي (1887- 1940م)، منذ وصوله إلى الولايات المتحدة من موطنه الأصلي في جامايكا (1914م)؛ على الترويج لأفكار إقامة “إمبراطورية زنجية” Negro Empire، أو ما أُطلق عليها في الفترة المعاصرة له “جمهورية إفريقيا” Republic of Africa (لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1919م).
وقد طرح “غارفي” تلك الفكرة بصُوَر كثيرة، وطبَّقها خلال قيادته لأنشطة مكثَّفة في الولايات المتحدة وخارجها؛ لما اعتبره دفاعًا عن حقوق الزنوج في أرجاء العالم. وعلى سبيل المثال: ناقش “غارفي” ذلك في مقال شهير له بعنوان “عدو الزنوج الأكبر” (سبتمبر 1923م) بتساؤله الشعبوي الطابع في حقيقة الأمر: لقد وُجِّهت لي أسئلة كثيرة، أين هي حكومة الإنسان الأسود؟ وأين مُلكه ومملكته؟ وأين رئيسه، وبلده، والرجال الذين يُديرون شؤونه الكبرى؟”،
وأجبتُ: أنني لا أراهم، لكنني أعلنت “سأساعد في صنع كل ذلك”([1])؛ وسرعان ما تطوَّرت فكرة المملكة إلى إمبراطورية زنجية. كانت هذه الفكرة قائمة بالأساس على ما جَمَعه “غارفي” من أموال من أعداد هائلة من بني عرقه الذين آمنوا بفكرته ومشروعيتها على الأرض، وفي مقدمتها خط ملاحة بلاك ستار الذي أعلن أنه سيتولى نقل ملايين الأفارقة في الولايات المتحدة والكاريبي إلى قارتهم الأم لتمدينها وتحضيرها، بل وقيادتها سياسيًّا واجتماعيًّا.
الإمبراطورية الزنجية: لمحة عامة
قدَّم جورج بادمور (1903- 1959م)، المؤرخ والسياسي التريندادي البارز ورفيق الزعيم الغاني كوامي نكروما، نقدًا مهمًّا لفكرة الإمبراطورية الزنجية لدى “غارفي” تضمَّنه كتابه “الوحدة الإفريقية أم الشيوعية؟”([2]) (1956م)، والذي سنعتمد عليه أساسًا في التحليل الراهن، وحمل العمل انتقادات رصينة لأفكار “غارفي”، ودفاعًا عن بعضها الآخر، وكذلك وضعها في سياقاتها التاريخية على نحو منضبط عُرف به “بادمور” في مؤلفاته المتنوعة والكثيرة([3]).
ويتضح جانبًا من تصوُّر أفكار “غارفي” العنصرية وبالغة الراديكالية حتى قياسًا إلى سياقاتها التاريخية، عند استقراء جورج “بادمور” المُوجَز لمشروع “الإمبراطورية الزنجية” الذي تبنَّته الرابطة العالمية لتحسين أحوال الزنوج والمجتمعات الإفريقية The Universal Negro Improvement and African Communities League بقيادة “غارفي”، والتي كانت تصف نفسها بأنها “جمعية اجتماعية وإنسانية وخيرية وتعليمية ومؤسساتية وبناءة وتوسعية”، قد أسَّسها أشخاص “يرغبون في بذل قصارى جهدهم في العمل من أجل الرفعة الاجتماعية للشعوب الزنجية في العالم”. وألقت فكرة تكوين إمبراطورية زنجية، -مع تعهُّد أعضاء الرابطة “ببذل كلّ طاقتهم للحفاظ على حقوق عرقهم (الزنجي) النبيل واحترام حقوق جميع البشر، وإيمانهم الدائم بأخوة البشر وأبوة الرب-؛ الضوء على مشروع “غارفي” التوسُّعي والمصطبغ بلمحة دينية؛ إذ كان شعار الرابطة: ربّ واحد! هدف واحد! مصير واحد([4]).
وتبدو البرغماتية الدينية واضحة لدى “غارفي”، الذي وُلِدَ كاثوليكيًّا، في تأسيسه كنيسة أرثوذكسية إفريقية بقيادة بطريرك أسود، وهو الأسقف ألكسندر ماكجوير Alexander McGuire، وهو رجل دين من جزر الهند الغربية، فيما أكَّد “غارفي” أكثر من مرة إعجابه بالكنيسة الرومانية التي عاد إليها قبل وفاته في العام 1940م([5])، فيما دعت “يونيا” بالفعل إلى الحاجة لاستقلال السود في جميع الأمور بما في ذلك الدين([6]).
وكان من بين أهداف الرابطة: ما تم النص عليه في وثائقها بالعمل على “المساعدة في تمدين قبائل إفريقيا المتخلفة، والمساعدة في تطوير الأمم والمجتمعات الزنجية المستقلة، وإقامة دولة مركزية central nation للعرق الزنجي.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، وغيره من أهداف الحركة، عقد “الإمبراطور غارفي” (حسبما أطلقت عليه وسائل الإعلام الموالية له حينذاك)، عدة مؤتمرات في ماديسون سكوير جاردنز Madison Square Gardens، وهو إستاد ضخم في نيويورك للعبة الملاكمة، وفي ليبرتي هول Liberty Hall، وهي مقر يونيا U.N.I.A.، وهي مؤتمرات شهدت حضورًا غفيرًا وطوابير عرض كبيرة في شوارع مدينة نيويورك حمل خلالها المحتفلون لافتات عليها شعارات راديكالية مِن قبيل “إفريقيا يجب أن تتحرَّر”؛ و”إن الزنجي الذي حارب في أوروبا يجب أن يحارب في إفريقيا”؛ و”الحرية للجميع”.
وفي الاجتماع الأول (1918م)، عندما كان “غارفي” في عمر 31 عامًا فقط، تم انتخابه رئيسًا مؤقتًا لإفريقيا، ورئيسًا عامًّا ومديرًا للجمعية الوطنية للنهوض بالزنوج. وباعتباره إمبراطور إفريقيا مستقبلًا كان لقبه الرسمي “صاحب السمو، والعاهل” بمكافأة شرفية قدرها 22 ألف دولار، بينما يتلقّى الأعضاء الثمانية عشر، بـ”المجلس التنفيذي الأعلى” High Executive Council أو وزارة الظل ما بين 3 إلى 10 آلاف دولار سنويًّا.
وتلقَّى هؤلاء الأعضاء ألقابًا ذات وقع بالغ مثل دوق النيل Duke of the Nile، وإيرل الكونغو Earl of the Congo، وفيسكونت النيجر Viscount of the Niger، وبارون الزمبييزي Baron Zambesi. وحصل الآخرون على ألقاب فرسان نظام الخدمة الممتازة بإثيوبيا والأشانتي وموزمبيق([7]).
كما أكد “غارفي” على استكمال دواعي الأبهة والمظاهر في نظامه “الإمبراطوري” في إفريقيا مثل تكوين فيلق إفريقي وفرق للممرضات الحربيات Black Cross Nurses وفِرَق كشافة إفريقيا للفتيان والفتيات، كما بادر بالتواصل مع عدد من القادة الأفارقة مثل عبد الكريم الخطابي “الذي أرسل له رسالة تحية وحسن نوايا”، ونادَى بالوحدة بين جميع الشعوب غير البيضاء في الكاريبي وإفريقيا والهند والصين واليابان، وأسَّس دورية العالم الزنجي Negro World التي حرَّرها بنفسه من أجل نقل توجيهاته “للملايين من أتباعه في جميع أرجاء العالم الأسود”([8]).
“غارفي” في رؤية “جورج بادمور”:
ارتكز نقد “بادمور” لرؤية “غارفي” لتكوين “إمبراطورية زنجية” على نَقْد متماسك في حقيقة الأمر لشخصية “غارفي” نفسه؛ فقد ارتكز هذا النقد على حقيقتين هامتين في بداية هذا الطرح: أولهما نظرة “غارفي” ومشروعه لإفريقيا باعتبارها أرضًا مشاعًا لقيام هذه الإمبراطورية الزنجية (بقيادة أفارقة الشتات). والأخرى: التأكيد على قيادته الشخصية لجهد تنوير شعوب القارة وتثويرها ضد القوى الاستعمارية، دون تقديم رؤية واضحة لكيفية مُعالَجة مشكلات القارة ومواجهة التحديات الاستعمارية بشكلٍ جادّ وتغليب الطابع “الرسولي” على أفكار “غارفي” لصالح تصورات شخصية للغاية تُرضي نظرته لنفسه ودوره القيادي وشخصنة النضال الإفريقاني في ذاته.
كما كان لصلة “بادمور” الشخصية بآمي جاك جارفي Amy Jacques Garvey (1895- 1973م)، زوجة “غارفي” الثانية والأرملة عند تعرفها على “بادمور” عن كثب أثر في رؤيته لـ”غارفي”؛ فقد قامت “آمي غارفي” بدور هام في مسيرة الزعيم الذي يمكن وصفه بالناشط الإفريقي الأبرز في النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة عبر الجمعية الوطنية للنهوض بالزنوج ومجموعة أعماله التجارية الواسعة التي موَّلت أنشطة حركة الوحدة الإفريقية، وارتاد وضع أُسُسها عمليًّا، كما امتد دورها بعد وفاة “غارفي” لدعم أفكاره وحركة الوحدة الإفريقية التي شهدت زخمًا كبيرًا في الأربعينيات والخمسينيات([9]).
وهكذا فقد اقترب “بادمور” من فكر “غارفي” نظريًّا (بحكم موقع “غارفي” في مجمل تجربة حركة الوحدة الإفريقية حتى العام 1940م)، وعمليًّا إذ كان ممن تعاونت معهم أرملة “غارفي” في مساعيها لحِفْظ فكر “غارفي” وسيرته وعمله الأفريقاني. ويمكن فَهْم تعاون “آمي غارفي” مع “بادمور” ضمن جهودها تلك، والتي شملت أيضًا كلاً من المفكر البارز وليام دوبويس، والزعيم الشاب وقتها كوامي نكروما، والذين كان ثلاثتهم من أهم المتفاعلين مع “آمي غارفي” وجهودها في تطوير أفكار “غارفي” عبر مؤتمرات الوحدة الإفريقية المختلفة وأبرزها في بريطانيا.
نقد مشروع “الإمبراطورية الزنجية”:
قدَّم “بادمور” نقدًا مكثفًا لفكرة الإمبراطورية الزنجية؛ إذ أشار إلى أنه في غضون سنوات قليلة بعد إطلاق “غارفي” حملته الأهم التي حملت شعار “العودة إلى إفريقيا” Back to Africa في العام 1920م فإنه نجح بذلك بالفعل في تنظيم أكبر حركة جماهيرية احتجاجية شهدتها الولايات المتحدة. وبحلول العام 1923م ادعت يونيا U.N.I.A. أن عدد أعضائها تجاوز ستة ملايين نسمة، رغم تشكيك مناوئين لـ”غارفي” في هذا الرقم، وأن الرقم الحقيقي لا يمكن أن يتجاوز 3 ملايين نسمة. لكن الحركة بدأت في العام 1925م في التفكك على سنوات عديدة حتى وفاة “غارفي” بائسًا في منفاه في مدينة لندن في العام 1940م، وهو ما يُحيلنا إلى تفهُّم إشارة “بادمور” لهشاشة “يونيا” التنظيمية أو على الأقل عدم تماسكها خارج شخصية “غارفي”.
وامتلك “غارفي” ثقافة وخبرة سياسية مهمة منذ نقله لأنشطته السياسية من جامايكا إلى الولايات المتحدة في العام 1916م، وكذلك ما سبقت الإشارة إليه من وجوده في لندن، وما وصفه “بادمور” من عمله الوثيق والهام مع دوسي محمد علي، المفكر المصري من أصول سودانية ومحرر مجلة African Times and Orient Review المعروفة بتوجهاتها المناهضة للإمبريالية حينذاك، ونقل دوسي لـ”غارفي”، بحسب تحليل “بادمور”، حماسته الوطنية؛ إذ كان من أبرز المؤيدين للزعيم المصري سعد زغلول وحزب الوفد، وليس مستبعدًا أن يكون محمد علي قد نقل لـ”غارفي” تفاعلات الثورة الشعبية المصرية في العام 1919م المعاصرة لهذه الصلة، وأنه كان لذلك أثره في تشكيل وعي الأخير بضرورة القيام بحركة شعبية زنجية، إلى جانب ارتياده مكتبة المتحف البريطاني بانتظام وقراءاته المتنوعة، والتي من كان أشهرها: الكتاب المقدس وشكسبير والمؤرخ بلوتارخ([10]).
لكنّ النزعة العرقية المتطرفة لدى “غارفي”، بحسب تفصيل “بادمور”، دَفَعته إلى صراع مع زعماء سياسيين ودينيين واجتماعيين من الزنوج الأمريكيين لا سيما وليام دوبويس. وتوصَّل “بادمور”، عبر قراءة دؤوبة لمواقف “غارفي”، إلى أن الأخير كان يُكِنّ كراهية بالغة للخلاسيين أو المخلطين (عرقيًّا وفكريًّا ربما بحسب رؤية “غارفي” لفكرة السوداء blackness)، تفوق كثيرًا كراهيته للبيض، وأرجع “بادمور” ذلك إلى تجربة “غارفي” في بلده جامايكا قبل استقراره في الولايات المتحدة، فقد شاهد كيف أن الرجال مختلطي الدماء المعروفين وقتها بذوي البشرة البنية brown men قد شكلوا الطبقة الوسطى، والتي كانت طبقة حاجزة بين الفقراء السود في أسفل سُلّم المجتمع، والطبقة العليا البيضاء، وعملوا (الأوائل) في الجهاز الإداري البريطاني وتجارًا، وفي قمة فئة رجال الدين، وقد مارس البيض والخلاسيون حتى وقت قريب قوة سياسية واقتصادية مطلقة، وتخوّفوا من أيّ صعود للسود. لكنّ الوضع في الولايات المتحدة كان مغايرًا تمامًا، فهناك الأغلبية البيضاء التي لا تحتاج إلى خدمات “الزنوج ذوي الدم المختلط”، للحفاظ على الجماهير السوداء “في مكانها” (المُحدَّد لها)؛ فكل الزنوج –من السود أو ذوي البشرة الفاتحة- سواء. فجميعهم مجرد زنوج niggers بالنسبة للرجل الأبيض الأمريكي. وبناء على ذلك فإن الزنوج الأمريكيين، باختلاف درجات لون بشرتهم، يعملون معًا من أجل رفعة عرقهم، لكن “غارفي” نقل تجربته في جامايكا على نحو كامل للولايات المتحدة([11]).
وتحت عنوان فرعي يتعلق مباشرة بفكرة العنصرية “التوسعية” الإفريقية أو السوداء (على حساب شعوب القارة الإفريقية أنفسهم)؛ يطرح “بادمور” فكرة “مهمة (غارفي) لأرض الميعاد”؛ ويلاحظ أنه مع إثارة “غارفي” للعداء بين القوى الأوروبية والمستعمرات في إفريقيا، اكتشف “غارفي” أن “يونيا” لن تكون لها أيّ شرعية في هذه الأقاليم. ومِن ثَم وَجَّه اهتمامه صوب ليبيريا، والتي كان يأمل تقليديًّا أن يكون له موطئ قدم بها كنقطة بداية في القارة الإفريقية أو جزء منها (أو ما سمتها آمي غارفي لاحقًا بليبيريا الكبرى Greater Liberia)، ويضيف أنه نظرًا لأن “الولايات المتحدة لم تكن قوة استعمارية في إفريقيا، فقد طلب “غارفي” من أصدقائه البيض الجنوبيين دعم مشروعه لاستعمار ليبيريا، الموسومة في أدبيات حركة الزنجي الجديد “بأرض الميعاد”. وطمأنهم أن خطة العودة إلى إفريقيا هي “الحل الوحيد لمأزق أمريكا، ألا وهو كيف يمكن التخلص من الزنوج”. وأوضح لهم أن إفريقيا توفّر فرصة رائعة في الوقت الحالي لأن يقوم زنوج العالم الغربي باستعمارها. وهناك ليبيريا التي أقامت بالفعل حكومة زنجية مستقلة قبل أن يدعو “لندع أمريكا البيضاء تساعد الأفروأمريكيين على الذهاب إلى هناك والمساعدة في تطوير البلاد”. وهناك المستعمرات الألمانية السابقة، لندع رأي البيض (في أمريكا) يجبر إنجلترا وفرنسا على إعادة هذه المستعمرات إلى الزنوج الأمريكيين، وفي جزر الهند الغربية الذين حاربوا من أجل الحلفاء في الحرب العالمية. كما أن فرنسا وإنجلترا وبلجيكا مدينة لهم ببلايين الدولارات التي يقولون: إنه ليس بمقدورهم دفعها عاجلًا. ولندعهم يقومون بتسوية ديونهم بتسليم سيراليون وساحل العاج على ساحل غرب إفريقيا، وإضافتهما إلى ليبيريا والمساعدة في جعل ليبيريا دولة تستحق اسمها. إن زنوج إفريقيا وأمريكا يشتركون في دم واحد، وقد جاءوا من نفس النسل، ويمكنهم أن يعملوا ويعيشوا معًا، ومِن ثَم تقديم إسهامهم العرقي للعالم([12]).
خلاصة:
رأى “بادمور” في المجمل أن الغارفية، مع هدفها المستحيل ببناء إمبراطورية إفريقية أو زنجية (على يد قوى من خارج القارة بالأساس)، في عالم الإمبريالية الضارية، أخذت تفقد قبولها اللامع والسحري في يقظة جموع الزنوج. كما أن مشروع تشييد الزنوج إمبراطورية إفريقية كان يُجافي الواقع؛ لأن الحالات الثلاث السابقة التي اعتبرها “غارفي” نموذجًا ومثالًا (فلسطين وإيرلندا والهند)، تهيمن فيها قوة أجنبية واحدة وهي بريطانيا، بينما إفريقيا مقسمة بين بريطانيا العظمى وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا “التي تسيطر جميعها على كل بوصة مربعة من الأرض في إفريقيا باستثناء 390 ألف ميل مربع من الأراضي في الحبشة وليبيريا”، ومِن ثَم فإن تكوين إمبراطورية (سوداء) في إفريقيا يعني غزو وهزيمة جيوش وبحريات الدول المذكورة سابقًا؛ ونظرًا لأنه من مصلحة جميع القوى الاستعمارية مَنْع أيّ مساعي وطنية لمواجهة أيّ قوة استعمارية على حدة؛ فإن مصلحة الاستعمار ودوله في مَنْع إقامة مثل هذه الإمبراطورية مُوحَّدة تمامًا، لذا فإن تخيل (يونيا) تحرير القارة الإفريقية بمختلفة مكوناتها على يد مجموعة من الزنوج (الأفرأمريكيين) غير المتعلمين وغير المنظمين يظل حلمًا ساذجًا لا يمكن أن يُولَد إلا في رأس مُتحمِّس غير مسؤول.
لكن يُلاحظ أن حركة عودة السود إلى إفريقيا، التي كانت تَرتكز في ليبيريا وسيراليون بحسب أدبيات أفريقانية سابقة، استمرت قائمة بعد وفاة “غارفي” (1940م) لدى عدد كبير من السياسيين المتأثرين بأفكاره، ومن بينهم “آمي غارفي” التي دعت إلى قيام ليبيريا الكبرى لنشر مشروع التوسع الزنجي في بقية أرجاء القارة الإفريقية بداية من غربها([13])، ودراسة شعوب غرب إفريقيا وعاداتهم([14])، وهو ما اتسق مع نظر “غارفي” لكل إفريقيا “أرضًا للميعاد” لبني وطنه: أفارقة الشتات.
……………………………………………
[1] Garvey, Marcus, The Negro’s Greatest Enemy, Current History (1916-1940), September, 1923, Vol. 18, No. 6 (September, 1923), p. 953.
[2] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 87-105.
[3] – لمعرفة تأثير بادمور في السياسة الإفريقية بشكل عام وبإيجاز شديد؛ راجع المقال الهام:
- Tunteng, P. Kiven, George Padmore’s Impact on Africa: A Critical Appraisal, Phylon (1960-), Vol. 35, No. 1 (1st Qtr., 1974), pp. 33-44.
[4] Padmore, George, Pan Africanism or Communism, Op. Cit.
[5] Ibid, p. 96.
[6] Gaffin, Greta, Black Nationalist Anglicanism: George Alexander McGuire and the African Orthodox Church,, Anglican and Episcopal History, June 2025, Vol. 94, No. 2, Papers from The Apostolic Ministry Conference, Berkeley Divinity School, Yale University (June 2025), p. 309.
- يُقدّم المقال تفصيلًا لتجربة ماكجوير في العمل مع غارفي ويونيا، ويختلف هنا عما أورده جورج بادمور من اصطفاء غارفي لماكجوير لقيادة الكنيسة الأرثوذكسية الإفريقية؛ إذ تشير غريتا جافين إلى أن ماكجوير كان يعمل بالأساس قسيسًا عامًّا chaplain-general في يونيا على أساس غير طائفي، وأن غارفي طلب منه ترك منصبه بعد قرار تكوين الكنيسة الإفريقية.
[7] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 93-4.
[8] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 94-5.
[9]– اتضح ذلك في سلسلة الكتب التي أشرفت عليها “آمي غارفي”، وقدمت جمعًا لكتابات الأخير وتعليقات على فلسفته ومواقفه، ومن بينها كتاب “غارفي والغارفية”، والذي قدم له المؤرخ الأفروامريكي البارز جون هنري كلارك John Henry Clarke :
- Garvey, Amy Jacques, Garvey & Garvyism, Collier- Macmillan Ltd, London, 1970.
وتناول الفصل 43 بالكتاب (267- 272) موقف غارفي من الحركات القومية التوسعية والعنصرية وما اعتبرته “آمي” عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بترادف بين حركة الزنجي الجديد والصهيونية على نحو غير قابل للتشكيك.
[10] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 88-9.
[11] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 90-91.
[12]– أوردت “آمي غارفي” نصوصًا مسهبة لأفكار غارفي، ومن بينها مسائل العودة لإفريقيا، انظر:
Aims and Objects of Movement for Solution of Negro Problem, in Garvey, Amy Jacques, editor, Philosophy & Opinions of Marcus Garvey, Volume II, Atheneum, New York, 1925, pp. 37-42.
[13] – راجع في تاريخ هذا التوجه لا سيما في الفترة 1919-1924م رؤية كل من ماركوس غارفي (التي أخلصت لها آمي غارفي حتى وفاتها)، ووليام دوبيوس لاستعمار ليبيريا الدراسة التاريخية الهامة:
- M’bayo, Tamba E. W. E. B. Du Bois, Marcus Garvey, and Pan-Africanism in Liberia, 1919–1924, The Historian , SPRING 2004, Vol. 66, No. 1 (Spring 2004), pp. 19-44.
[14] Tibebu, Teshale, Edward Wilmot Blyden and the Racial Nationalist Imagination, University of Rochester Press, New York, 2012, pp. 6-9.
