مأمون الجاك
كان من شأني -قبل إدارتي ظهري لعالم السينما وتخففي من الصورة- أن أشُاهِد فيلم مارتن سكورسيزي هذا مرةً كل عام، وبحسابِ السنوات منذ أول مشاهدة أكونُ قد رأيتهُ لما يزيد عن المرات العشر. في بادئ الأمر كنتُ أتداوى به من الضجر؛ فموقفي إزاء هذا الوحش “قليلِ الحِراك ضعيفِ الصوت” الذي هو “مستعدٌ بجولة واحدة لأن يصنع من الأرض أنقاضاً وبتثاؤبة واحدة أن يبتلع العالم” هذا الوحش الذي هو الضجر في نظرِ شارل بودلير، موقفي نحوه كان مُجازاته بالمثل فأطعمهُ ضجراً بضجر حتى يبلغَ السأم ويخليني لحال سبيلي، وكنت أحتال لذلك بمشاهدة هذا الفيلم المُضجِر الذي لو أخرجه رجلٌ آخر غير سكورسيزي لابتلعَ الوحشُ العالم حقاً، ولكن إملال سكورسيزي مُتعمَد ومقصودٌ لذاته لا كإملالِ الآخرين الذي هو إخفاق وعجز لا غير.
لماذا عكفتُ على هذا الفيلم دهراً؟ قبل كل سبب يكونُ الافتتان ثم تشفع له بعد ذلك مُبررات قد تصيب أو تخطئ مكمن الفتنة. فمثل كل شابٍ في سورةِ الشباب وغضبِه أسرتني مُعلقةُ طرفة بن العبد ورواية (الغريب) لكامو وهذا الفيلم بالمثل، ربما للأسبابِ نفسها: شخصيات غارقة في الحِسي وناقمة على الوجود ومتعالية على العالم.
في حالة طرفة كان ذلك مبرراً، فهو فارقَ الجماعة التزاماً بتعاليمِ الجماعة، فارقها لما رآها تخون قِيمَها، ولم يكُن تفردُه خروجاً تاماً عن إسارِ الجماعة، وإنما كان خروجاً قلِقاً يودُ لو أنه ما كان، وكذا حالُ الشنفرى الذي تركتهُ مفارقةُ الجماعة “إلفَ همومٍ وطريدَ جنايات” يدافعُها فتغلِبُه، ولكن أي جماعة فارقها ميرسو وترافيس بيكل؟ الأول ما ترك الحِسُ له عقلا أو عاطفة، فجاء اعترافُه الطويل أشبه بدعوة جذِلة لحضور تنفيذ الإعدام بحقِه، أما بيكِل الساخِط على المدينة الحداثية فانصرفَ إلى الأوهام، وما تيسر له تحقيق انتقامه من المدينة إلا في حُلمِ يقظة. وهنا أولُ مناقِب سكورسيزي السينمائية، فهذا الفيلم كان أباً لسلالة غزيرة من الأفلام التي تبحث صورة الوهم وصورة الحلم وتخضع الواقِع لاختبارٍ لا يني لما هو حقيقة فيه أو زيف، منذ هذا الفيلم وقبله فيلم فرانسيس فورد كوبولا (The Conversation) نبصِر واقعا خاضعا بكلياته للتقنيات الحديثة التي تتغلغل إلى تلافيف الذهن تغلغلها إلى مُعميات الواقع والمكان؛ نُبصِر عالماً مخاتِلاً وخادِعاً لا تُدرِكه النظرة الساهية: عند كافكا على المرء أن يكون مستعداً لكل طارئ، هكذا ود يوزف ك لو أن نبأ اعتقاله أتاه في المكتب، حيث يكون في أتم اليقظة والاستعداد، لا مثلما حدث بأن جاءه نبأ الاعتقال في غرفة نومه. أما في سينما أمريكا فاستعدادُ الرائي وتيقظه دائم، فعليه أن يشكك في كل لقطة ويراجِع الفيلم ابتداءً من لقطة بعينها تربك فهمه لعالم الفيلم أو شخصياته: الانتباه المتحفز هو ديدن الرائي لأفلام هذه السلالة الماكرة من المخرجين التي ضمت بعد ذلك كريستوفر نولان في أفلامه الباكرة وأليخاندرو إيناريتو في فيلمه (Birdman) وآخرين.

الوهمُ هو موضوعة سكورسيزي المفضلة؛ في فيلمه السابق على هذا (Mean Streets) قارب وهم المقولات الدينية في ذهنِ شابٍ يطلُب لِما سمِعهُ وتلقنهُ في الكنيسة تحقُقا: يطلب صورة الجحيم في نارِ الموقِد. أما هُنا فنرى شخصية مكونة من أوهام، بلا ماضٍ لجماعة تستمِدُ منه مُثُلاً بطولية، ومع ذلك تبلغ أقصى الانفراد وترغب في بطولةٍ تخصُها، وتتبدى لنا هذه الشخصية بطرائق بصرية مبتكرة: نراهُ يدون مذكراتِه ويرافق صوته المتلعثم اللقطات التي تظهر خطهُ المرتجف والمرتبك؛ يكتب كثيرا، يقول مثلا إن الانفراد ليس فضيلةً، وأن على المرء أن يساير الجماعة؛ ومن لقطة مقربة ليده وهي تخط هذه الكلمات ننتقل للقطة واسعة له وهو يسير وحيدا داخل حشدٍ يتحرك في شوارع المدينة. وظف سكورسيزي كل الطرائق والحيل التقنية ليصور لنا العالم المضطرب لهذه الشخصية: نرى الواقع حيناً بعيني ترافيس بيكل الواهِمة ونراه حيناً بعينٍ محايدة أو موضوعية: عين الكاميرا.
والدرس الأول لسكورسيزي – الذي استوعبه نولان بعد ذلك- هو ترك تفصيلة صغيرة خاطئة تشكك المشاهد في حقيقة ما يراه: في هذا الفيلم كانت تلك التفصيلة هي نجاة بيكل من عقوبة السجن برغم محاولته اغتيال مرشح للرئاسة وقتله لثلاثة قوادين. هذه التفصيلة إلى جانب لقطاتٍ أخرى – تبين منظور بيكل النقيض لمنظور الكاميرا- تُفهِم المشاهد أن ما معظم ما رآه كان حُلم يقظة لذهنٍ مُشوش، وأن مرجعية الصورة لم تكن الواقع بل الذهن. وهذا ما سيسعى كريستوفر نولان في نهايات التسعينات وبدايات الألفية إلى تأكيده؛ سواء في فيلمه القصير (Dudelbug) أو تحفته (Memento). لكن نولان يتخفف من أعباء خلق شخصية منصرفا إلى التقنية وممكناتها، أما سكورسيزي فينجح في تكوين شخصيات روائية ممكنة الوجود -وإمكانُ وجودِها لا يرجِع إلى عمقٍ نفسي فحسب، فترافيس بيكل في نهاية الأمر شخصية متخيلة وخاوية، وعنفه المتخيل لا يعود إلى مشاركته في حرب فيتنام كما يدعي أو إلى تجارب في ماضيه، وهذا عجيب: أن تكون الشخصية مركبة من أكاذيب لا يلغي إمكان وجودها ويُبطِلُه بل يعززه- ولعله في فيلمه هذا نجح بأن يرقى بالسينما إلى رتبة الرواية في تعقيدها الزماني والمكاني وثراء شخصياتها.
يأخذ سكورسيزي موضوعة الوهم إلى أقصاها في (Shutter island)، ينتهي (Taxi Driver) بابتسامة ترافيس بيكل المربكة، ينتهي في ذهن شخصية راضيةٍ بأوهامها، أما في هذا الفيلم فالوهم مُحاط بأسوارِ المصحة ومراقبة حراسها ومتابعة أطبائها، ورغم ذلك فلا شفاء منه.
