المؤلف والكتاب: السياق والتكوين:
– المؤلف: لورنس كورباندي كوديس – شاعر ودبلوماسي من جنوب السودان، شغل منصب مستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون القانونية ويشغل حالياً منصب مبعوث الايغاد الخاص للسودان.
كتب الكتاب أثناء دراسته الحقوق في جامعة بغداد عام 1985، ونُشر أول مرة عام 1987، ثم أعيد إصداره عام 2019 .
– الهدف: يُعد الكتاب محاولة تأسيسية لفهم الأدب الإفريقي الحديث، مع التركيز على دور “الزّنْوجة” (الهُويّة الإفريقية السوداء) كأداة لمقاومة الاستعمار والعولمة .
٢. الإطار المفاهيمي: تعريف الأدب الإفريقي وإشكالياته
– التعريف الجوهراني: يعرّف كورباندي الأدب الإفريقي بأنه “الأدب الذي يتناول الأصل الإفريقي كحقيقة تاريخية، مُستندًا إلى فكرة الزنوجة كمظهر من مظاهر الأفرقة” . هذا التعريف يربط الأدب بهُويّة سياسية مقاومة للاستعمار.
– الإشكاليات الجيوسياسية: يناقش الكتاب الجدل حول انحصار مصطلح “الأدب الإفريقي” في إفريقيا جنوب الصحراء، مستندًا إلى التقسيم الاستعماري الذي فصل شمال إفريقيا “العربية” عن جنوبها “الزنجي”. ويُبرز كيف ساهمت هذه القسمة في طمس التبادلات الثقافية التاريخية عبر الصحراء .
– النقد الذاتي: يذكر كورباندي آراء معارضة لتعريفه، مثل موقف الشاعر النيجيري كريستوفر أوكيغبو الذي رفض فكرة “أدب إفريقي” خاص، قائلًا: “لا يوجد أدب إفريقي، بل أدب جيد وآخر رديء” .
٣. المحتوى الفكري: من الاستعمار إلى المقاومة الثقافية
أ. تأثير الاستعمار على التشكيل الأدبي
– اللغة كساحة صراع: يحلّل الكتاب إشكالية الكتابة باللغات الأوروبية (الإنجليزية، الفرنسية) نتيجة القمع الاستعماري للغات المحلية. ورغم ذلك، حوّل الأدباء هذه اللغات إلى “أدوات مقاومة” لنشر أفكار التحرر .
– الرقابة والتحايل: يشير إلى أن المستعمر فرض رقابة صارمة على الأعمال الأدبية، مما دفع الكتاب إلى استخدام الرمزية والتراث الشفاهي كوسائل للتعبير المقاوم .
ب. عناصر الأدب الإفريقي الحديث
– الشعر كسلاح: يركز الفصل الثاني على دور الشعر في تمجيد “السواد” (Blackness) وتفكيك الصور النمطية العنصرية. ويستشهد بأعمال شعراء مثل:
– ليوبولد سنغور: مؤسس “الزنوجة” الذي ربط الجمال بالهُويّة السوداء.
– ديفيد ديوب: الذي حوّل الشعر إلى خطاب تحريضي ضد الاستعمار .
– المسرح والفنون الحِرفية: يوثّق الكتاب نشوء المسرح في إفريقيا كفضاء لتجسيد الصراع السياسي، كما يربط الحِرَف اليدوية (مثل النحت والنسيج) بالذاكرة الجمعية الإفريقية، معتبرًا إيّاها شكلاً من أشكال “المقاومة الجمالية” .
ج. الزنوجة: الإحياء والانتقاد
– الإحياء المعاصر: يدعو كورباندي إلى إحياء “مدرسة الزنوجة” لمواجهة العولمة التي تهدد بابتلاع الثقافات الإفريقية .
– الانتقادات: يُسلّط الضوء على انتقادات وُجهت للمفهوم، أهمها:
– إقصاؤه لشعوب شمال إفريقيا.
– تحوّله إلى خطاب عنصري معاكس (ضد البيض) عند بعض المتطرفين .
٤. الأدب كوثيقة تاريخية: تفكيك الادعاءات الاستعمارية
– نفي “انعدام الحضارة”: يفنّد الكتاب الادعاءات الاستعمارية بأن إفريقيا “قارة بلا تاريخ”، مستشهدًا بـ:
– مملكتي أوغادوغو وياتنغا في غرب إفريقيا.
– مراكز الإشعاع الثقافي مثل تمبكتو (مالي) التي كانت موطنًا للمكتبات والجامعات .
– الأدب كتوثيق للممالك: يربط بين الأعمال الأدبية وتوثيق أنظمة الحكم المتقدمة في إفريقيا ما قبل الاستعمار، كنظام الجيوش والضرائب في مملكة “فولا” .
٥. إسهامات فريدة وتحديات
– الريادة الأكاديمية: يُعد الكتاب من الدراسات التأسيسية التي ربطت الأدب بالسياق السياسي والاقتصادي، مقدّمًا نموذجًا لـ”أدب المقاومة” كأدب ملتزم بقضايا التحرير .
– نقاط الضعف:
– المركزية السوداء: تجاهله الجزئي لتنوع إفريقيا العرقي (كالأمازيغ والعرب).
– إغفال التفاصيل: تركيزه على الشعر والمسرح على حساب الرواية، مع إشارة عابرة للحِرَف اليدوية دون تحليل عميق .
الأهمية التاريخية والاستمرارية
– الجسر بين الأجيال: يربط الكتاب بين رواد “الزنوجة” (مثل سنغور) وأدباء ما بعد الاستعمار (مثل وولي شوينكا الحائز نوبل)، مظهرًا استمرارية خطاب الهُويّة .
– مرجعية لنقاشات معاصرة: يُقدّم إطارًا لفهم صراعات الهُويّة الحالية في إفريقيا، خاصةً في ظل العولمة وتجدد الخطابات العنصرية .
الخاتمة: الأدب الإفريقي بين الهُويّة والتحرير
يقدم كورباندي في هذا العمل رؤية ثورية للأدب كـ”فعل مقاومة” لا يقتصر على التعبير الجمالي، بل يشكل وعيًا جمعيًا ضد الاستعمار والعنصرية. رغم الانتقادات الموجهة لمركزيته على جنوب الصحراء، يظل الكتاب مرجعًا حيويًا لفهم تشابك الأدب مع السياسة في إفريقيا، خاصةً في سياق الجهود المعاصرة لإحياء التراث الثقافي المهمَّش. الكتاب ليس مجرد دراسة أدبية، بل بيانٌ يدعو إلى استعادة إفريقيا لحضارتها المسلوبة عبر الكلمة والفن .
