- الإطار العام والهيكل التنظيمي للكتاب
يُعد هذا العمل موسوعةً تحليليةً نادرةً تُمثل حصاد عقدٍ من البحث، حيث ضمّن المؤلف ستة كتب سابقة في مجلدٍ واحدٍ يبلغ ألف صفحة، صادر عن دار المصورات بالخرطوم . تضمنت الأعمال:
– “جينات سودانية”: تحليلٌ نفسيٌ عميق لجذور السمات الشخصية.
– “على حواشي الشخصية السودانية”: رؤيةٌ روائية-تحليلية للهوية .
– “الشخصية السودانية بين الطيب صالح وحسن الترابي”: دراسةٌ ثقافيةٌ لتأثير الرموز الفكرية.
– “حلفا والشخصية السودانية”: استكشافٌ لتأثير الجغرافيا والتاريخ.
– “من نحن؟ لا بد من السؤال”: تفكيكٌ لإشكاليات الهوية.
– “الشخصية السودانية في عيون صفوتها”: آراء 25 شخصيةً بارزةً في مجالات متنوعة .
- المنهجية الفريدة: بين السيكولوجيا والأنثروبولوجيا
تميزت دراسات دهب بـ:
– التكامل التخصصي: جمع بين التحليل النفسي (في “جينات سودانية”) والاجتماعي والسياسي، متجاوزاً الدراسات الأكاديمية التقليدية التي تركز على جانبٍ واحد
– الربط بين التراث والحداثة: حلل تناقضات الشخصية السودانية بين التمسك بالتقاليد (كالصوفية والقبلية) وانفتاحها على الأفكار العالمية.
– الاعتماد على الشهادات الحية: في كتاب “في عيون صفوتها”، قدّم رؤى من واقع تجارب شخصيات مثل الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، والصادق المهدي، والشاعر محمد المكي إبراهيم، والموسيقار محمد وردي .
- السمات المركزية للشخصية السودانية كما حلّلها دهب
– التعددية كأساس: أكد أن التنوع الإثني (عربي-أفريقي-نوبي) والديني (إسلام-مسيحية-معتقدات محلية) شكّل هويةً مركبةً قائمةً على “التعايش الانصهاري” رغم التحديات .
– الثنائيات المتنازعة: شخصية تجمع بين “الهدوء الظاهري” (المتجذر في القيم الصوفية) و”العنفوان الداخلي” (المنعكس في الثورات كـ”أبريل 1985″).
– التأثر بالجغرافيا: رأى أن النيل ليس مجرد موردٍ مائيٍ بل “مَعلَمٌ هوياتي” أثّر في تشكيل الروح الجمعية، بينما عمّقت الصحارى شعوراً بـ”العزلة المترفة” .
– الصمود في وجه الاستعمار: حلل كيفية توظيف التراث الثقافي (كالموسيقى والشعر) كأداةٍ للمقاومة الرمزية.
- تحليل تأثير الرموز الثقافية والسياسية
– الطيب صالح: مثّل “جسراً بين العالمين العربي والأفريقي” عبر أدبه، مما عزز صورة السوداني كـ”وسيط ثقافي“.
– حسن الترابي: رأى دهب أن مشروعه الفكري أكّد “هوس السوداني بالهيمنة الفكرية” لكنه كشف أيضاً عن أزمة التنظير بعيداً عن الواقع .
– الفنانون كحراس للهوية: حلّل دور محمد وردي وعلي مهدي في صياغة الوعي الجمعي عبر الأغاني التي مزجت بين الإيقاع الأفريقي والموشح العربي.
- التحديات المعاصرة للهوية السودانية
– انفصال الجنوب: عدّه أكبر صدمةٍ لهوية “السودان الموحد”، وكشف عن فشل النخب في إدارة التنوع.
– أثر الحروب الأهلية: حلّل كيف ولّدت “شخصيةً مشتتةً” بين الانتماء المحلي (القبيلة) والوطني (الدولة).
– العولمة والهوية: ناقش خطر تحوّل السوداني إلى “كائنٍ هجين” يفقد خصوصيته تحت ضغط النماذج الثقافية المستوردة .
- رؤية النخب للشخصية السودانية (من كتاب “في عيون صفوتها”)
جمع دهب آراءً متباينةً تعكس تنوع السودان:
– الصادق المهدي: رأى أن “التسامح الديني” هو السمة الأبرز.
– منصور خالد: أكّد على “المرونة السياسية” التي مكّنت من تجاوز الأنظمة الشمولية.
– شهادات فنية: أوضح محمد وردي أن “الموسيقى السودانية هي الوعاء الأخير للوحدة الوطنية” بعد التشرذم السياسي .
- الإسهام النقدي للكتاب في الدراسات الهوياتية
– سدّ فراغٍ مكتبي: يعد أول عملٍ غير أكاديميٍ يدرس الشخصية الوطنية السودانية بهذا العمق، مقاربةً مع أعمال جمال حمدان (مصر) وعلي الوردي (العراق) .
– نقد الذات: تجاوز دهب التمجيد الوطني إلى تحليل “الأمراض الاجتماعية” كالنفاق القبلي والانتهازية السياسية.
– مشروعٌ ترميمي: دعا إلى إعادة بناء الهوية عبر “التعليم” و”الفن” و”الحوار بين الأجيال” كبديلٍ عن الخطابات الشعبوية .
- الخلاصة: السوداني كـ”أيقونةٍ للتعقيد”
يخلص دهب إلى أن السوداني هو:
> “كائنٌ ساحرٌ ومُربكٌ في آنٍ: يصنع السلامَ بأغانيه، والحربَ بصمته، يعتنق الدينَ بعمقٍ لكنه يرفض وصايةَ رجالهِ، يحلم بوطنٍ أفريقيٍ عربيٍ بينما تقيده حدودٌ ورثها عن الاستعمار“.
الكتاب ليس مجرد دراسةٍ بل “مرجعيةٌ ثقافيةٌ” تُعيد للسودانيين الاعتزاز بهويتهم دون تجميلٍ أو إنكار، وتقدّم للعالم نموذجاً لفهمِ شعبٍ ظلّ لغزاً أمام الكثيرين .
