“أزمات الهامش في السودان ومستقبل اتفاق سلام جوبا” – المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

يوليو 28, 20250

 

 

 ١. الإطار المفاهيمي: إشكالية المركز والهامش في السودان 

يركز الكتاب على الثنائية التاريخية بين “المركز” (الخرطوم والأقاليم الشمالية) و”الهامش” (دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان، الشرق)، والتي تشكل العامل الأبرز في اندلاع الصراعات منذ الاستقلال. تنتج هذه الإشكالية من:  

التهميش الاقتصادي: حرمان الأقاليم الطرفية من عوائد الموارد الطبيعية (ذهب، نفط، أراضٍ زراعية) .  

الهيمنة السياسية: تركيز السلطة في نخبة المركز، وإقصاء ممثلي الهامش من صنع القرار .  

التمييز الهوياتي: معاملة سكان الهامش كـ”مواطنين من الدرجة الثانية” بسبب الانتماءات الإثنية والثقافية المختلفة .  

 ٢. اتفاق جوبا للسلام ٢٠٢٠: المكونات والإشكاليات الهيكلية 

يُحلل الكتاب الاتفاق الموقع في أكتوبر ٢٠٢٠ بين الحكومة الانتقالية وتحالف “الجبهة الثورية السودانية”، ويُبرز:  

المحاور الرئيسية:  

  – تقاسم السلطة: تمثيل حركات الهامش بنسبة ٢٥٪ في المؤسسات السيادية، وإنشاء حكومات إقليمية .  

  – الإصلاح الأمني: دمج مقاتلي الحركات المسلحة في الجيش خلال ٣٩ شهراً .  

  – العدالة الانتقالية: محاكمات لمرتكبي انتهاكات دارفور، وتعويض الضحايا .  

الثغرات الهيكلية:  

  – استبعاد فاعلين رئيسيين: عدم توقيع حركتي SPLM-N بزعامة عبد العزيز الحلو وSLA بزعامة عبد الواحد نور، مما أضعف شمولية الاتفاق .  

  – هيمنة العسكر: سيطرة المكون العسكري في الحكومة الانتقالية (اللواء البرهان وحميدتي) على التفاوض، وتحويل الاتفاق إلى أداة لشرعنة نفوذهم .  

 ٣. التحديات التي واجهت تطبيق الاتفاق  

الانقلاب العسكري (أكتوبر ٢٠٢١):  

  – حل المؤسسات المدنية، وتجميد بنود الاتفاق المتعلقة بتسليم السلطة للمدنيين .  

  – استغلال العسكر لانقسامات حركات الهامش؛ حيث دعمت بعض فصائل “الجبهة الثورية” الانقلاب مقابل وعود بمناصب .  

الانهيار الأمني:  

  – فشل دمج المقاتلين، ما أدى إلى عودة مليشيات الهامش للقتال، خاصة في دارفور بعد منتصف ٢٠٢٣ .  

  – تحول الصراع إلى حرب بين الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، مستغلةً الفراغ في المناطق المهمشة .  

الأزمة الإنسانية:  

  – نزوح ١٠.٨ مليون شخص (٢.٣ مليون إلى دول الجوار)، وانهيار النظام الصحي والغذائي .  

 ٤. الامتدادات الإقليمية والدولية للأزمة  

التدخلات الخارجية:  

  – دور الإمارات عبر دعم قوات الدعم السريع (RSF)، ومصر عبر دعم الجيش السوداني، مما حوّل الصراع إلى “حرب بالوكالة” .  

  – فشل المبادرات الدبلوماسية (بقيادة السعودية والولايات المتحدة) بسبب تناقض مصالح الأطراف الدولية .  

التهديدات الإقليمية:  

  – تدفق اللاجئين إلى تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، مما زاد الضغط على اقتصاداتها الهشة .  

  – انتشار الأسلحة عبر الحدود، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي .  

 ٥. مستقبل اتفاق جوبا: سيناريوهات محتملة

السيناريو التشاؤمي:  

  – انهيار كامل للاتفاق مع تصاعد الحرب الأهلية، وتقسيم السودان إلى كيانات منفصلة (شمال شرقي تحت سيطرة الجيش، وغرب تحت سيطرة RSF) .  

السيناريو التعديلي:  

  – إعادة تفعيل الاتفاق عبر مفاوضات جديدة تشمل الحركات المهمشة (مثل SPLM-N)، بوساطة إفريقية بقيادة الاتحاد الإفريقي .  

شروط الاستدامة:  

  – فك الارتباط بين الاتفاق والعسكر: إنشاء آلية مدنية خالصة للإشراف على التنفيذ .  

  – معالجة جذور التهميش: إعادة توزيع الثروة، واعتماد نظام فيدرالي حقيقي يمنح صلاحيات واسعة للأقاليم .  

 ٦. رؤية المركز المصري: تحليل نقدي

ثوابت الموقف المصري:  

  – التركيز على “وحدة السودان” كشرط للأمن القومي المصري، ومعارضة أي تدخلات خارجية .  

  – دعم الحلول السياسية عبر آلية “إيقاد” والاتحاد الأفريقي، مع تحفظ ضمني على الدور الغربي .  

تقييم الرؤية:  

  – الإيجابيات: تأكيد الشرعية الدولية للحل السلمي، والربط بين استقرار السودان وأمن منابع النيل.  

  – القصور: عدم تقديم آليات عملية لضغط مصر على الأطراف المتحاربة، خاصة داعميها الإقليميين .  

 ٧. الخلاصة: دروس أساسية للمستقبل 

١. الاتفاق ليس غايةً بذاته: يجب أن يكون جزءاً من عملية سياسية شاملة تعالج أسباب التهميش، لا نتائجه .  

٢. خطر تحول الصراع إلى “أفغانستان جديدة”: مع تصاعد التدخلات الدولية وتجارة الأسلحة، قد يصبح السودان بؤرةً للإرهاب العابر للحدود .  

٣. ضرورة القيادة الأفريقية: فشل المبادرات العربية والغربية في إيجاد حلول؛ مما يستدعي تمكين الاتحاد الأفريقي لقيادة عملية السلام .  

> الكتاب يُختزل في رسالته الجوهرية: “لا سلام في السودان دون عدالة للهامش”. فالتحدي ليس إيقاف الحرب فحسب، بل بناء دولة تعترف بتنوعها كرافعة للوحدة، لا تهديداً لها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *