١. السياق التاريخي وأهداف التأليف
صدر الكتاب عام ١٩٥١ (بطبعة ثانية في ١٩٥٦) في مرحلة حرجة من تاريخ السودان، قبيل استقلاله (١٩٥٦)، بهدف توثيق التركيبة السكانية والقبلية لمناطق شمال السودان. كَتبه محمد عوض محمد – أستاذ بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) ومدير معهد الدراسات السودانية آنذاك – كدراسة أكاديمية تُحلِّل التكوين الاجتماعي للسودان الشمالي، وتُفنِّد الادعاءات الاستعمارية بتجزئة الهوية السودانية .
٢. المنهجية والمصادر
اعتمد المؤلف على:
– المسوحات الميدانية: جمع بيانات مباشرة عن القبائل عبر زيارات لمناطق شمال السودان، بما فيها حلايب ووادي حلفا ونهر عطبرة .
– الروايات الشفوية: توثيق أنساب القبائل وتاريخ هجراتها من خلال مقابلات شيوخ القبائل.
– الوثائق الأرشيفية: استند إلى سجلات الإدارة البريطانية والسجلات المحلية في ولايات كسلا والقضارف .
٣. المحاور التحليلية الرئيسية
– التركيبة القبلية:
حلَّل الكتاب قبائل السودان الشمالي إلى ثلاث مجموعات رئيسة:
- القبائل النيلية: مثل الجعليين والكنوز، الذين هاجروا من شبه الجزيرة العربية عبر مصر واستقروا حول نهر النيل، واشتهروا بالزراعة .
- قبائل البجة: في شرق السودان (من حلايب إلى كسلا)، وتشمل البشاريين والحداربة، الذين ارتبطوا تاريخياً بتجارة الذهب مع مصر الفرعونية .
- القبائل النوبية: في مناطق دنقلا وحلفا، ذات الجذور الكوشية، وحافظت على لغاتها بجانب العربية .
– الهجرات العربية وتأثيرها:
تتبع الكتاب موجات الهجرة العربية منذ القرن الحادي عشر الميلادي، خاصة هجرات قبائل جهينة(كالحمران والحمدة) من الحجاز إلى دارفور ومناطق النيلين الأزرق والأبيض، وأثرها في تعريب المجتمع وانتشار الإسلام .
– التفاعل مع البيئة:
وثق أنماط المعيشة المرتبطة بالجغرافيا، مثل:
– اقتصاد الرعي عند البجة في المناطق الصحراوية.
– الزراعة المروية عند القبائل النيلية.
– صيد الأسماك عند النوبيين على ضفاف النيل .
٤. الأطروحات الجوهرية
– وحدة التنوع: رغم اختلاف الأصول (عربية، نوبية، أفريقية)، شكَّلت المشتركات (الإسلام، اللغة العربية، التقاليد) هوية موحدة للسودان الشمالي.
– نقد التقسيم الاستعماري: كشف محاولات بريطانيا تعزيز الانقسامات القبلية عبر سياسة “الحكم غير المباشر”، مثل فصل جنوب السودان عن شماله .
– دور القبائل في تشكيل الدولة: أبرز تحالف قبائل الشمال مع المهدية (١٨٨١–١٨٩٨) ضد الاستعمار التركي-المصري، كمثال على الوحدة ضد المحتل .
٥. الجدل التاريخي والانتقادات
– إشكالية الأصول: تعرض لانتقادات بسبب تصنيفه بعض القبائل (كالكواهلة) على أنها عربية صرفة، بينما دراسات لاحقة أكدت اختلاط أصولها الأفريقية .
– تجاهل الجنوب: ركز على شمال السودان فقط، مما يعكس تحيزاً منهجياً شائعاً في ذلك العصر .
– توظيف السياسة: استُخدم الكتاب لدعم مطالب مصر بالسيادة على حلايب وشمال السودان، عبر التأكيد على الروابط التاريخية بين البجة والمصريين .
٦. الإرث والأهمية المعاصرة
– مرجع أساسي: ظل مصدراً رئيساً لدراسات الهوية السودانية، خاصة في نقاشات ما بعد انفصال الجنوب (٢٠١١).
– تأثيره في الحركة الثقافية: ألهم باحثين سودانيين مثل صلاح الدين الشامي (صاحب “السودان دراسة جغرافية”) وضرار صالح ضرار (مؤرخ قبائل البجة) .
– نافذة على التحديات الحالية: تنبؤاته بمخاطر إهمال التعددية (مثل حرب دارفور) تجعله مرجعاً لفهم الصراعات المعاصرة .
الخلاصة: رؤية استشرافية في زمن التحول
يُعد الكتاب محاولة رائدة لفك تشابك الهوية السودانية عبر تحليلٍ يجمع بين الأنثروبولوجيا والتاريخ، رغم محدودية سياقه الزمني. إصراره على أن “التعدد ليس انقساماً” يظل رسالةً ملحة للسودان في مسيرته نحو بناء دولة تعترف بتنوعها. اليوم، وبعد سبعة عقود من صدوره، تبرز قيمته كوثيقةٍ تاريخيةٍ تُسائل الحاضر وتُضيء جذور الماضي .
