الدكتور النور حمد
الإطار النظري والمنهجي للكتاب
يُمثّل كتاب “الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع” الصادر عن دار الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر والتوزيع للباحث السوداني الدكتور النور حمد عملاً نقدياً رصيناً ينتمي إلى حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية والتحليل الجيوسياسي النقدي. لا يشكل الكتاب عملاً تسلسلياً تقليدياً، بل هو مجموعة مقالات مترابطة تكشف في مجموعها عن بنية تحليلية متكاملة. يعتمد المؤلف منهجية تفكيك الخطاب المهيمن، مستنداً إلى أدوات نقد الخطاب الاستشراقي الداخلي (الأفرو-شرق أوسطي)، وتحليل الأرشيف التاريخي، وقراءة نقدية للخطابات السياسية والثقافية المصرية حول السودان.
الأطروحة المركزية: الهيمنة الناعمة والوعي الاستعلائي
يطرح الكتاب أطروحةً مفادها أن العلاقة المصرية-السودانية لا يمكن اختزالها في الإطار الرسمي للتعاون أو الصراع، بل هي علاقة هيمنة بنيوية عميقة الجذور، تتجاوز السياسة إلى الثقافة والهوية. يرى حمد أن مصر تمارس “استشراقاً داخلياً” تجاه السودان، يعيد إنتاج صورة السودان ككيان متخلف يحتاج إلى الوصاية والتوجيه “الحضاري” المصري. هذه الهيمنة ليست عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل هي بالأساس “هيمنة ثقافية-رمزية” تعمل عبر آليات النخب المثقفة والإعلام والأدب والخطاب الشعبي.
التحليل التاريخي للبنى الهيمنية
يتتبع الكتاب جذور هذه العلاقة غير المتكافئة إلى حقب تاريخية متعددة:
· التركيبة العثمانية-المصرية: يرى حمد أن حملة محمد علي باشا على السودان (1820-1824) لم تكن مجرد توسع عسكري، بل أسست لعلاقة مركز-أطراف، حيث تم تصوير السودان كمستعمرة للموارد (بشرية وطبيعية) وكمجال حيوي لمصر.
· العصر الوطني وما بعده: يحلل كيف استمرت هذه العلاقة في عصر ما بعد الاستقلال، وإن تغيرت أدواتها. فالنخب المصرية (حتى الليبرالية والتقدمية منها) حافظت على تصور استعلائي تجاه السودان، يتجلى في الخطاب الإعلامي والأدبي وحتى الأكاديمي.
· عصر “الشراكة” الحديث: ينتقد المؤلف الخطاب المصري المعاصر الذي يتحدث عن “الشراكة” و”التكامل” بين البلدين، كاشفاً كيف يخفي هذا الخطاب إرادة الهيمنة واستمرارية النظرة الدونية. يشير عنوان الكتاب الفرعي “الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع” إلى هذا الإحساس بالخطر الوجودي الذي يهدد الهوية والسيادة السودانية في ظل مشاريع “التكامل” التي تقودها القاهرة.

آليات الهيمنة الثقافية
يركز الكتاب على الآليات غير المباشرة للهيمنة، التي يراها أكثر خطورة من الاحتلال العسكري:
1. الخطاب الإعلامي والأدبي: يحلل كيف يصور الإعلام والدراما المصرية السودانيين بأنماط نمطية تعيد إنتاج صورة “الآخر” المتخلف، أو تذوبه في الهوية المصرية كامتداد طبيعي.
2. الخطاب الأكاديمي والمعرفي: ينتقد دور المؤسسات البحثية والجامعات المصرية في إنتاج معرفة عن السودان تخدم الرؤية المصرية المركزية، وتهمش الروايات السودانية الذاتية.
3. الهيمنة اللغوية: يسلط الضوء على هيمنة اللهجة المصرية والإعلام المصري على الفضاء السمعي-البصري السوداني كأداة لفرض الهوية الثقافية.
4. استغلال الأزمات الداخلية: يحلل كيف تستغل الدبلوماسية المصرية الانقسامات السياسية والهوياتية داخل السودان لتعزيز نفوذها.
️السياق الجيوسياسي والمائي
يضع الكتاب العلاقات الثنائية في إطار الصراع الإقليمي على الموارد، خاصة مياه النيل. يرى المؤلف أن الخطاب المصري عن “الأمن القومي المائي” يُستخدم كأداة لتبرير الهيمنة والتدخل في الشؤون السودانية، مع إغفال الحقوق المائية والتاريخية للسودان ودول المنبع الأخرى. هذا البعد الجيوسياسي يكشف التناقض بين الخطاب الرسمي عن “الأخوة” والممارسة القائمة على حسابات المصالح الضيقة.
النقد الذاتي ومسؤولية النخب السودانية
لا يوجه الكتاب نقده فقط للجانب المصري، بل يتضمن نقداً ذاتياً لاذعاً للنخب السودانية التي ساهمت، عن قصد أو غير قصد، في استمرار هذه الهيمنة. يشير إلى ظاهرة “المتثقفين” السودانيين الذين تبنوا الرؤية المصرية الاستعلائية كجزء من انبهارهم بالمركز الثقافي المصري، وتخليهم عن تطوير رؤية سودانية مستقلة ومنشغلة بقضاياها الوطنية.
الجدل الفكري والسياسي الذي أثارته المقالات
أثارت المقالات المكونة للكتاب، عند نشرها على حدة، جدلاً واسعاً في الأوساط الفكرية والسياسية في السودان والعالم العربي. فقد اعتبرها البعض جرأة تحليلية كشفت تابوهات العلاقة بين البلدين، بينما رأى فيها آخرون (خاصة في الأوساط المصرية وبعض السودانيين الموالين لمصر) نوعاً من “الشوفينية” أو تشويهاً لعلاقة تاريخية. الكتاب بذلك يتجاوز التحليل الأكاديمي إلى كونه تدخلاً فاعلاً في الحقل السياسي والهوياتي.
الخاتمة: إسهامات الكتاب وحدوده
يُعدّ كتاب النور حمد إسهاماً مهماً في حقل دراسات الهيمنة والعلاقات الدولية غير المتكافئة في العالم العربي، حيث ينقل النقاش من مستوى السياسة إلى مستوى الثقافة والهوية. قوة الكتاب تكمن في جرأته النقدية وقدرته على تفكيك الخطاب المهيمن باستخدام أدوات نظرية رصينة. من ناحية أخرى، قد يُنتقد لتركيزه على الجانب النقدي للهيمنة المصرية مع إغفال نسبي لأدوار قوى إقليمية ودولية أخرى مؤثرة في السودان، وكذلك لتحليله الذي قد يبدو لبعض القراء أحادي الاتجاه في تفسير العلاقة المعقدة بين البلدين.
يظل الكتاب “صيحة” تحذيرية، ليس فقط ضد مخاطر الهيمنة الخارجية، بل أيضاً ضد أزمة الوعي الداخلي السوداني وضرورة بناء مشروع وطني حقيقي قادر على التعامل مع الجوار من موقع الندية والاستقلال الحقيقي.
