ليلة شتاء طويلة

يناير 30, 20260

 

 

  معاذ أبو القاسم

 مقدمة

“ليلة شتاء طويلة” هو مجموعة قصصية للكاتب معاذ أبو القاسم، تتصدرها قصة تحمل الاسم ذاته. تعالج المجموعة، عبر قصصها المتنوعة، موضوعات وجودية وإنسانية عميقة، تتقاطع مع واقع مرير غالباً ما يكون قاسياً وقائماً على الحرمان والفقد والموت. يقدم الكاتب عالمه القصصي بلغة شعرية مكثفة، تستخدم الرمز والتشبيه والمفارقة لبناء عوالم نفسية واجتماعية معقدة، تعكس هشاشة الإنسان في مواجهة الطبيعة والمرض والوحدة والنسيان.

 البنية والموضوعات المركزية

  1. 1. الطبيعة كفضاء قاسٍ ومُحوّل:

   تهيمن صورة البيئة العدائية على العديد من القصص، حيث يصبح الجفاف (كما في “إغواء الفراشة”) وكأنه لعنة وجودية. اختفاء المطر والنيل ليس مجرد كارثة بيئية، بل هو انقطاع للروح والحياة، يؤدي إلى انهيار القرية (“العباسية”) مادياً واجتماعياً. الطبيعة هنا ليست خلفية سلبية، بل فاعل رئيسي في حياة الشخصيات، تمنح الحياة وتمنعها، وتتحول إلى قوة غامضة تتحدى الفهم البشري، كما في أسطورة السماء والأرض المتصالحتين التي يتذكرها السكان.

 

  1. 2. الجسد والمرض والموت:

   يقدم الكتاب تمثيلات قوية لجسد الإنسان تحت وطأة الألم والضعف. يظهر ذلك بوضوح في قصة “إغواء الفراشة” من خلال الوباء المجهول الذي يهلك أهل القرية، وفي معاناة عادل الجسدية والنفسية. الموت ليس حدثاً عابراً، بل هو حضور دائم، “الكلمة الوحيدة التي تدور في الأذهان”. يتحول الجسد إلى سجن للألم، كما في حلميات عادل وهلاوسه، وفي معاناة حامد من كوابيس الفرخ المنتقم (“حَرمَان”). حتى في قصة “الرقص مع الظلال”، يتحول الجسد إلى وسيط للهروب من الواقع عبر الرقص العاري المخمور، وكأن التحرر منه (رمزيًا) هو السبيل الوحيد لمواجهة العزلة.

  1. 3. الوهم والهروب والوعي المتعدد:

   تشكل هذه الثيمة العمود الفقري لعدة قصص. الشخصيات تخلق عوالم بديلة هرباً من واقع لا يُطاق. عادل يهرب إلى ذكريات المطر وابنه. الراوي في “الرقص مع الظلال” يغرق في الخمر والموسيقى والهلاوس ليواجه وحدته، ثم يصل إلى حالة من الإدراك الفوقي تمكنه من رؤية أرواح الآخرين وأعماقهم المتناقضة. أما “وحيد” في “أوراق مُبعثرة”، فيرفض واقع فقدان أسرته بالكامل، ويخلق عالماً خيالياً يعيش معهم فيه، ثم يكتشف عالماً ثالثاً أبيض اللون يمثل حالة وجودية غريبة. هذه العوالم الموازية تطرح أسئلة عميقة عن طبيعة الواقع والحقيقة والذهن الإنساني.

  1. 4. الفقد والعزلة والبحث عن المعنى:

   الفقد هو المحرك الأساسي لمعظم الشخصيات: فقد الأهل (عادل، وحيد)، فقد الحبيبة (جون الطائر الطنان)، فقد المجتمع والأمان (سكان العباسية). تؤدي هذه الخسائر إلى عزلة عميقة، سواء كانت عزلة قسرية كما في القرية المنكوبة، أو طوعية كما في حالات الراوي المنعزل أو “وحيد”. هذا البحث المحموم عن معنى أو خلاص يتخذ أشكالاً مختلفة: الاستسلام للموت كراحة (عادل)، البحث عن الحب النقي (جون)، التعلق بالذكريات (وحيد)، أو حتى البحث عن تجربة صوفية كما في لقاء القط الأعظم في قصة “ييلسان”.

  1. 5. الرمزية والكائنات الأسطورية:

   يستخدم أبو القاسم رمزية غنية لتعميق الدلالات. الفراشة تظهر كوسيط بين الحياة والموت، كموت محتمل أو كحلم خلاص. الطائر الطنان يرمز للحب النقي والفلسفة الروحية في عالم قائم على المظهر. القط الأعظم يجسد الأمل الوهمي والإيمان الغيبي. العوالم المتوازية والأرواح (في “الرقص مع الظلال” و”أوراق مُبعثرة”) ترمز إلى طبقات الوعي والخبايا النفسية. جزيرة الشمس و”البُرمي” يقدمان أسطورة خلاص جماعي وصراعاً بين الواجب العام والرغبة الفردية (حب الأم).

 الخصائص الأسلوبية والفنية

   لغة شعرية مكثفة: اللغة غنية بالصور الحسية والتشبيهات غير المألوفة (“قلبه… جمرة مقدة تفتك بدواخله”، “صارت فعالً كأنه جزع شجرة”). هذه اللغة تنقل الحالة النفسية أكثر من وصف الحدث الخارجي.

   تدفق الوعي والمناجاة الداخلية: يعتمد الكاتب كثيراً على تيار الوعي ليكشف عن أعماق شخصياته المأزومة، كما في حوارات عادل مع نفسه أو في الهلوسات المتكررة.

   التكثيف القصصي: القصص مبنية على لحظات مفصلية أو حالات وجدانية شديدة، أكثر من كونها سرداً لأحداث مترابطة تقليدياً. هذا يخلق تأثيراً درامياً عميقاً.

   المشهد البصري القوي: المشاهد مرسومة بدقة تعكس الحالة المزاجية، من شوارع القرية المليئة بالعظام البالية إلى غرفة الراوي الضيقة المليئة بالمرايا، إلى العالم الأبيض الشفاف في قصة “أوراق مُبعثرة”.

   الانزياح بين الواقعي والفانتازي: ينتقل السرد بسلاسة بين الواقع المرير والعوالم الهلوسية أو الأسطورية، مما يخلق نسيجاً سردياً غنياً يوسع من أفق التأويل.

 خاتمة: رؤية وجودية قاسية وحنونة

“ليلة شتاء طويلة” ليست مجرد مجموعة قصص عن المعاناة، بل هي استقصاء أدبي عميق لشرط الإنسان في مواجهة العدم. يقدم معاذ أبو القاسم عالماً قاسياً، لكنه لا يخلو من حنية تجاه شخصياته المنكسرة. عبر هذه العوالم المليئة بالجفاف والموت والهذيان، يبحث الكاتب، بشجاعة أدبية نادرة، عن شظايا الجمال (في الحب، في الذاكرة، في الموسيقى، في الاستسلام الأخير) وعن إمكانية الخلاص ولو كان فردياً أو وهمياً. الكتاب هو مرثية للفقد، لكنه أيضاً تأمل صادق في مرونة الروح البشرية وقدرتها على ابتداع عوالم للنجاة، حتى وإن كانت تلك العوالم تقع على حافة الهاوية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *