“الإعلام الانتقالي: معضلات التحرر ومعركة التحرير”

يناير 30, 20260

 

 

 دكتور وجدي كامل 

 

 المقدمة العامة 

يُقدم هذا الكتاب دراسة نقدية عميقة للإعلام السوداني في مرحلة ما بعد الثورة، مركزًا على إشكاليات “الإعلام الانتقالي” في سياق التحول الديمقراطي. ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن الإعلام لم يلعب الدور المتوقع منه في دعم الانتقال السياسي بعد ثورة ديسمبر 2018، بل استمر في إعادة إنتاج نمطية الإعلام الأمنوقراطي الذي ساد خلال حكم نظام الإنقاذ (1989-2019). 

 

 الأطروحة المركزية 

يرى الكتاب أن الإعلام السوداني ظلّ خاضعًا للسلطات الحاكمة عبر تاريخه، بدءًا من الاستعمار مرورًا بالأنظمة الشمولية وانتهاءً بحكم الإسلاميين، حيث تحول إلى أداة للتضليل وتزييف الوعي بدلاً من أن يكون رافدًا للديمقراطية والتحرر. 

 المحاور الرئيسية للكتاب 

  1. الإعلام الأمنوقراطي: الآليات والتأثير

– يحلل الكتاب ظاهرة “الإعلام الأمنوقراطي” الذي سيطر خلال حكم الإنقاذ، حيث أصبح جهاز الأمن هو المتحكم الفعلي في السياسات الإعلامية. 

– استخدم النظام أدوات الرقابة المباشرة وغير المباشرة، وتجنيد الإعلاميين، وتوظيف الإعلام الجديد (مواقع التواصل) لنشر الشائعات وخطاب الكراهية. 

– مثل التلفزيون السوداني نموذجًا صارخًا لهذا التحكم، عبر فرض رقابة على المضمون والمظهر، وتطهير المؤسسة من الأصوات المستقلة. 

  1. إشكاليات الإعلام الانتقالي

– ينتقد الكتاب فشل النخب السياسية بعد الثورة في وضع رؤية واضحة للإعلام الانتقالي، مما أدى إلى استمرار هياكل النظام السابق. 

– تم الإبقاء على نفس المؤسسات والكوادر والإطار التشريعي، مما أفشل إمكانية قيام إعلام ديمقراطي حقيقي. 

– يوضح كيف أن غياب الإستراتيجية الإعلامية الانتقالية أدى إلى تعثر عملية التحول الديمقراطي وتهديد مكاسب الثورة. 

  1. دور الإعلام الجديد ووسائل التواصل

– يشيد الكتاب بدور وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية في صناعة الحدث الثوري، حيث وفرت منصة حرة لنقل الوقائع والتعبئة والتضامن. 

– لكنه يحذر من مخاطر “الشعبوية الإعلامية” والتضليل المعلوماتي الذي قد ينتج عن الفضاء المفتوح، خاصة في ظل حروب المعلومات. 

  1. معركة التحرير: من التحرر بالإنابة إلى التحرر الذاتي

– يميز الكتاب بين مفهومي “التحرر” و”التحرير”، حيث يرفض فكرة “التحرير بالإنابة” التي تفرضها النخب، ويدعو إلى تحرر ذاتي يقوم على الوعي والإرادة الفردية والجماعية. 

– يؤكد أن معركة التحرير الحقيقية تبدأ بتخليص العقل الجمعي من الهيمنة الأيديولوجية وإعادة بناء الوعي النقدي. 

 

 المنهجية والأسلوب 

– يعتمد الكتاب منهجية تحليلية نقدية تجمع بين الرصد التاريخي والتحليل السوسيولوجي والسياسي. 

– يستشهد بتجارب دولية (كجنوب أفريقيا ورواندا) في مجال الإعلام الانتقالي، كما يقدم أمثلة محلية مفصلة عن سياسات التلفزيون والصحف. 

– اللغة أدبية رصينة، تجمع بين العمق الأكاديمي والروح النقدية الحادة، مع توثيق غني بالمراجع والشهادات الميدانية. 

 الخلاصة والتوصيات 

– يخلص الكتاب إلى أن الإعلام السوداني لا يزال أسير الإرث الأمنوقراطي، وأن الانتقال الديمقراطي لن يكتمل دون إعادة هيكلة جذرية للمنظومة الإعلامية. 

– يدعو إلى: 

  – تفكيك هياكل الإعلام القديم وبناء مؤسسات جديدة مستقلة. 

  – وضع سياسات إعلامية انتقالية واضحة تستند إلى قيم الديمقراطية والشفافية. 

  – تمكين الإعلاميين الشباب والمستقلين وتدريبهم على آليات الإعلام الديمقراطي. 

  – استثمار الإعلام الجديد كأداة للتغيير مع مواجهة مخاطر التضليل. 

 قيمة الكتاب وأهميته 

يعد هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا لفهم إشكاليات الإعلام في مراحل التحول السياسي، ليس في السودان فحسب، بل في السياق العربي والإفريقي الأوسع. كما يقدم رؤية نقدية جريئة تضع الإعلام في قلب معركة التحرر والبناء الديمقراطي، مما يجعله وثيقة ذات أهمية سياسية وأكاديمية وإعلامية عالية. 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *