“تطبيق الشريعة في فضاء معاصر: تجربة السودان”

فبراير 1, 20260

المؤلف : شمس الدين ضو البيت 

 أولاً: الإطار العام والمنهجية

يقدم هذا الكتاب دراسة تحليلية معمقة لتجربة الحركة الإسلامية السودانية في تطبيق الشريعة الإسلامية في دولة حديثة متنوعة ثقافياً ودينياً وإثنياً. يركز الكتاب على الفترة من تأسيس الحركة حتى استيلائها على السلطة عام 1989 وما تلاها من سياسات. يعتمد المؤلف منهجية تحليلية تاريخية-سياسية-فكرية، مع التركيز على العلاقة بين الأيديولوجيا الإسلامية والواقع السوداني المتعدد.

 ثانياً: المحاور الرئيسية للكتاب

  1. التنوع السوداني كخلفية تاريخية وسياسية

– يصف الكتاب السودان كمجتمع متعدد الأعراق واللغات والأديان، حيث يشكل المسلمون 70%، والمسيحيون 4%، والباقي أديان أفريقية تقليدية.

– يشير إلى أن إدارة التنوع كانت دائماً تحديًا رئيسياً للدولة السودانية، وأن المركزية الثقافية العربية الإسلامية سادت منذ الاستقلال، مما أدى إلى تهميش الأقليات ونشوب حروب أهلية.

– يؤكد أن فشل النخب الحاكمة في تبني نموذج ديمقراطي مدني متعدد الثقافات كان عاملاً أساسياً في استمرار الصراع.

  1. تطور الحركة الإسلامية السودانية

– يتتبع الكتاب المراحل التاريخية للحركة، بدءاً من تأثرها بـ الإخوان المسلمين في مصر، ومروراً بتطورها إلى حركة سياسية ذات رؤية محلية.

– يوضح كيف كانت قضية جنوب السودان غائبة في بدايات الحركة، ثم تحولت إلى محور استراتيجي في سياستها.

– يشير إلى أن الحركة انتقلت من دعوة عامة لتطبيق الشريعة إلى صياغة مشروع سياسي متكامل عبر وثائق مثل “ميثاق السودان” (1987).

  1. ميثاق السودان: بين التجديد والإبهام

– يعتبر الميثاق وثيقة تأسيسية حاولت التوفيق بين الهوية الإسلامية والتنوع السوداني.

– يعترف الميثاق بالمواطنة كأساس للحقوق، لكنه يؤسس لدولة دينية تعتمد الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع.

– يشير الكتاب إلى التناقضات الداخلية في الميثاق، حيث يضمن حقوقاً للغير مسلمين لكنه يفرض هيمنة الأغلبية المسلمة في المجال العام.

  1. التجديد الفكري والسلفية المعاصرة

– يحلل الكتاب جهود حسن الترابي في تجديد الفقه الإسلامي، محاولاً التوفيق بين النصوص الشرعية ومتطلبات الدولة الحديثة.

– يرى المؤلف أن منهج الترابي كان غامضاً ومائعاً، مما أضعف قدرته على تقديم نموذج عملي واضح.

– يشير إلى أن التجديد الإسلامي في السودان تحول في الممارسة إلى “أسلمة” الدولة عبر سياسات التأصيل والتمكين والجهاد.

  1. الحركة الإسلامية في السلطة: التأصيل والتمكين

– يصف الكتاب سياسات التأصيل كعملية شاملة لأسلمة الدولة والمجتمع عبر:

  – التعليم: تغيير المناهج لتعزيز الهوية الإسلامية.

  – القوانين: تطبيق الشريعة في القانون الجنائي والأحوال الشخصية.

  – الإعلام: توجيه الخطاب الإعلامي لخدمة المشروع الإسلامي.

– التمكين: إحلال كوادر الحركة في مؤسسات الدولة، وإقصاء المعارضين، مما أدى إلى تآكل المهنية وتفشي الفساد.

  1. الحرب الأهلية والجهاد

– يوضح كيف حولت الحركة الإسلامية الصراع في الجنوب إلى حرب جهادية، مما عمق الهوة بين الشمال والجنوب.

– يشير إلى تجنيد الطلاب والشباب في قوات الدفاع الشعبي، وإلى تأثير الخطاب الديني في تصعيد العنف.

– يرى أن رفض الحركة الإسلامية لفكرة الدولة المدنية دفع الجنوب نحو مطلب تقرير المصير.

  1. المفاوضات والسلام

– يتتبع الكتاب المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية، ويرى أنها دارت حول صراع الرؤى: الشريعة مقابل الدولة المدنية.

– يشير إلى أن إصرار الحركة الإسلامية على الشريعة أدى إلى تصلب الموقف الجنوبي والمطالبة بتقرير المصير.

– يرى أن اتفاقية السلام الشامل (2005) كانت نتاجاً لتراكم فشل نموذج الدولة الدينية.

 ثالثاً: التحليل النقدي والاستنتاجات

 أوجه القصور في نموذج الحركة الإسلامية:

  1. 1. غياب الرؤية المتكاملة للتنوع: رغم محاولات “ميثاق السودان”، بقيت المركزية الإسلامية المهيمنة.
  2. 2. الاعتماد على القوة والإقصاء: استخدمت الحركة التمكين والجهاد كأدوات لفرض الرؤية الأحادية.
  3. 3. فشل التجديد الفكري: لم يقدم الترابي ومنظروه نموذجاً ديمقراطياً حقيقياً، بل بقوا في إطار الدولة الدينية.
  4. 4. تآكل الشرعية: أدت سياسات الإقصاء والتهميش إلى فقدان الدعم حتى داخل الشمال.

 الخلل البنيوي في التجربة:

– الانزياح من التجديد إلى “الأسلمة”: تحول المشروع من محاولة تجديدية إلى نسخة معاصرة من النموذج السلفي التقليدي.

– الصراع بين الإسلاموية والمواطنة: فشلت الحركة في تقديم نموذج يوفق بين الهوية الإسلامية وحقوق المواطنة المتساوية.

– التكلفة الإنسانية والاجتماعية: أدت السياسات إلى حرب أهلية طويلة، تقسيم البلاد، وتدمير النسيج الاجتماعي.

 رابعاً: الخلاصة

يخلص الكتاب إلى أن تجربة الحركة الإسلامية السودانية في تطبيق الشريعة كانت محاولة فاشلة لإدارة التنوع في دولة حديثة. فبدلاً من تقديم نموذج توفيقي تجديدي، تحول المشروع إلى أداة للإقصاء والتهميش، مما عمق الانقسامات وأدى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان. التجربة تظهر إشكالية تطبيق النموذج الإسلامي في مجتمع متعدد، وتؤكد الحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية تكون قادرة على إدارة التنوع عبر المواطنة المتساوية والمؤسسات الدستورية، وليس عبر الهيمنة الأيديولوجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *