بروفيسور: قاسم نسيم
- نظرة عامة على الكتاب
يُقدِّم هذا العمل الأدبي إسهامًا نقديًا ومعرفيًا في حقل الأدب السوداني والإفريقي، من خلال توثيقه وتحليله لقصص وأحاجي قبيلة «أمَّا» (النيامنج) في جبال النوبة. يجمع الكتاب بين السرد الروائي، والتحليل الأنثروبولوجي، والتنظير النقدي للأدب الشعبي السوداني، مع إبراز أهمية الحكاية الشعبية كوعاء للذاكرة الجماعية والهوية الثقافية.
- الإطار النظري والمنهجي
– المنهجية: يعتمد الكتاب على منهجية جمع الروايات الشفوية من الرواة المحليين، مع تحليل بنيوي وسيميائي للحكايات.
– الإشكالية المركزية: يُعالج الكتاب إشكالية الانزياح الثقافي وتغييب المعارف المحلية بفعل الهيمنة الثقافية العربية، مما أدى إلى تهميش التراث الأدبي الإفريقي في السودان.
– التوثيق: يُوثِّق الكتاب حكايات وأساطير قبلية «أمَّا» كجزء من التراث الشفوي المهدد بالاندثار.
- المحتويات والموضوعات الرئيسية
أ. الحكايات الأسطورية والتأسيسية
– قصة «وُجي» و«فوديل»: تروي هجرة بطل من السماء إلى الأرض هربًا من الحرب، وجلبه للنار عبر كلبه، مما يرمز إلى انتقال المعرفة والحضارة.
– قصة «مسود» وأبنائه: تعكس صراع السلطة والغدر بين الأخوة، وتطرح إشكالية الشرعية والوراثة في الزعامة التقليدية.
– قصة «أمَّا» والفتاتين الهاربات: تبرز قضايا الجمال، الغيرة، التضامن النسوي، والهروب من القهر الأسري.
ب. البعد الأنثروبولوجي
– تنظيم المجتمع النوبي: يُعرِّف الكتاب بـ«مدارج الأجيال» والنظام العسكري الصارم، والطقوس الجماعية مثل «طقس قتل الثور».
– الديناميكيات الاجتماعية: يسلط الضوء على دور السلطان في التحكم في الطقس، وطقوس الاستمطار، وعلاقة الإنسان بالبيئة.
ج. الحكايات كأدب مقاومة
– تشكل الحكايات وسيلة للحفاظ على الهوية في مواجهة التهميش الثقافي.
– تظهر كيف تحفظ الروايات الشفوية تاريخًا بديلًا لا ترويه السرديات الرسمية.
- التحليل النقدي والأدبي
أ. البنية السردية
– تعدد الأصوات: يدمج الكتاب بين صوت الراوي المحلي وصوت الباحث، مما يخلق حوارًا بين المعرفة المحلية والمعرفة الأكاديمية.
– التشابك الزمني: تتداخل الأزمنة الأسطورية بالتاريخية، مما يعكس رؤية زمنية دائرية في الثقافة الشفوية.
ب. الرمزية والدلالات
– النار: رمز المعرفة والتحضر.
– الكلب «فوديل»: رمز الوفاء والوساطة بين العالمين.
– السماء والأرض: تمثل الثنائية بين المقدس والدنيوي، الحرب والسلام.
ج. اللغة والأسلوب
– لغة سردية غنية: تجمع بين الفصحى والعامية السودانية، مع احتفاظها بإيقاع الحكاية الشفوية.
– توظيف الشعر والغناء: كما في أناشيد طقس «الدسول»، مما يعزز البعد الأدائي للتراث.
- مساهمات الكتاب وأهميته
أ. في حقل الأدب السوداني
– يسد فراغًا في توثيق أدب القبائل غير العربية في السودان.
– يُقدِّم نموذجًا لجمع الأدب الشعبي وتحليله نقديًا.
ب. في السياق الثقافي الأوسع
– يُعَضِّد فكرة «التثاقف» والتفاعل بين المكونات السودانية.
– يُبرز دور الحكاية في بناء السلام الاجتماعي عبر كشف التشابكات التاريخية بين المجموعات.
ج. نقديًا
– ينتقد الكتاب إهمال الأدب السوداني الرسمي للتراث الإفريقي.
– يدعو إلى مشروع وطني لجمع الأدب الشعبي من كل البيئات السودانية.
- الخلاصة والتقويم
يُعدّ كتاب «عطر الدم والتراب» عملًا مؤسسًا في دراسة الأدب الشفوي السوداني، يجمع بين الرواية الشعبية والتحليل النقدي والرصد الأنثروبولوجي. وهو ليس مجرد جمع لحكايات، بل هو قراءة تفكيكية للهوية السودانية المتعددة، ودفاعٌ عن ذاكرة مهددة بالنسيان.
رغم أن اللغة النقدية في بعض الأقسام تبدو تقليدية أحيانًا، إلا أن الجهد التوثيقي والتحليلي يبقى رصينًا وأكاديميًا، ويصلح لأن يكون مرجعًا في دراسة الأدب الإفريقي والتراث الشفوي عمومًا.
التوصية:
يُوصى بهذا الكتاب للباحثين في الأدب المقارن، الأنثروبولوجيا الثقافية، الدراسات السودانية، والأدب الشفوي، ولمن يهتمون بتفكيك السرديات الكولونيالية وإعادة بناء الذاكرة الجماعية من خلال الحكاية.
