المؤلف: التجاني الحاج عبد الرحمن
الملخص الأكاديمي للكتاب:
يقدم الكتاب دراسة نظرية وتاريخية معمقة لدولة ما بعد الاستعمار في السودان، مُتتبعاً عوامل نشوئها وأسباب انحدارها حتى مرحلة الفشل والدخول في حروب أهلية وتهديدات التفكك. يعتمد المؤلف على إطار نظري يجمع بين مقاربات نظرية التبعية، ونظرية النخب، ونظرية الدولة الفاشلة، بالإضافة إلى النظرية البنيوية والتاريخانية.
ينقسم الكتاب إلى عدة فصول رئيسية:
- 1. مقاربات نظرية وتاريخية: يتتبع التشكل التاريخي للدولة السودانية منذ الحقبة الاستعمارية (التركي-المصري ثم البريطاني-المصري)، ويُبرز كيف ورثت النخب الوطنية (خاصة النيلية منها) هياكل الدولة الاستعمارية دون إحداث قطيعة حقيقية معها، مما أدى إلى استمرار علاقات التبعية السياسية والاقتصادية.
- 2. صراعات الإسلاميين على السلطة: يحلل دور الحركة الإسلامية السودانية في تعميق أزمة الدولة عبر احتكارها للسلطة لمدة ثلاثة عقود، واستخدامها للإسلام السياسي كأداة لإقصاء الآخر وتفكيك النسيج الاجتماعي.
- 3. إشكاليات الانتقال في السودان: يدرس تجارب الانتقال الديمقراطي الثلاث (1964، 1985، 2019) ويكشف عن نمط متكرر من “الحلقة الجهنمية” حيث تؤدي الانتقالات الديمقراطية إلى انقلابات عسكرية تعيد إنتاج الأزمة.
- 4. الخاتمة والاستنتاجات: يخلص إلى أن الدولة السودانية ما بعد الاستعمار فشلت في بناء مشروع وطني شامل، بسبب هيمنة النخب النيلية، واستمرار التبعية، وغياب العقد الاجتماعي الحقيقي، مما قاد إلى الحروب الأهلية وانفصال الجنوب وتهديدات التفكك الحالية.
التحليل النقدي للكتاب:
- الإسهام الفكري والنظري:
– يعد الكتاب إضافة مهمة للأدبيات السودانية والعربية في حقل دراسة الدولة ما بعد الاستعمار، حيث يربط بشكل منهجي بين العوامل التاريخية والبنيوية والصراعات السياسية الداخلية.
– نجح المؤلف في تكوين إطار نظري متماسك يدمج نظرية التبعية (دول المركز والمحيط) مع تحليل الصراع الداخلي للنخب، مما يفسر استمرارية الأزمة رغم تغير الأنظمة.
– الكتاب يحفر في الجذور التاريخية العميقة للصراع الهوياتي (عرب/أفارقة، مسلمون/غير مسلمين، مركز/أطراف) منذ الدولة المهدية والحكم الثنائي، مما يقدم فهماً شاملاً لأزمة الهوية الوطنية.
- النقد الذاتي والموضوعية:
– يتميز الكتاب بجرأة نقدية لاذعة تجاه النخب الحاكمة، خاصة الإسلاميين، ويتجنب التبريرات الأيديولوجية أو العاطفية.
– يعترف المؤلف بأن كتابته تأتي في لحظة تاريخية حرجة (ما بعد 2019 و2023)، مما يضفي عليها طابعاً تحذيرياً واستشرافياً.
- الأهمية السياسية والراهنية:
– الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو “نداء استغاثة” وطني يسلط الضوء على خطر التفكك الكامل للدولة السودانية، خاصة بعد حرب أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
– يكشف كيف أن “الحلقة الجهنمية” من الانتقالات الفاشلة لم تنكسر، بل تتجدد بأشكال أكثر عنفاً، مما يدعو إلى إعادة التفكير جذرياً في طبيعة الدولة ذاتها.
– يقدم إجابة على سؤال مركزي: لماذا فشلت الدولة السودانية رغم امتلاكها مقومات واعدة في الستينيات؟ الجواب يتمثل في غياب المشروع الوطني الجامع وهيمنة النخب الضيقة.
الخاتمة والتقييم العام:
الكتاب ليس فقط تفسيراً للماضي، بل هو مرآة للحاضر ومنبأ بالمستقبل الخطير الذي ينتظر السودان إذا لم يتم كسر الحلقة الجهنمية عبر عقد اجتماعي جديد حقيقي، يقوم على الاعتراف بالتنوع، وبناء مؤسسات ديمقراطية، وخلق اقتصاد منتج يقطع مع التبعية.
التقييم: كتاب ضروري لكل باحث في الشأن السوداني، ومرجع أساسي لفهم تعقيدات الأزمة السودانية من جذورها التاريخية إلى تفجيراتها الراهنة.
