المؤلف محمد علي جيلي
- طبيعة الكتاب وأهدافه
– النوع: دراسة تاريخية-سياسية-اجتماعية متعددة التخصصات، تجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والتحليل الثقافي.
– المنهجية: اعتمد المؤلف على المنهج الوصفي التحليلي، مع الاستناد إلى مصادر أولية (روايات شفاهية، وثائق، خبرات شخصية) وثانوية (مراجع أكاديمية، تقارير استعمارية، أدبيات تاريخية).
– الهدف المركزي: تسليط الضوء على تاريخ وهوية وإسهامات شعب النوبة في تكوين السودان، وكشف سياسات التهميش والاضطهاد التي تعرضوا لها من قبل الأنظمة المتعاقبة.
- 2. الإطار التاريخي والجغرافي
– الامتداد التاريخي: يؤكد الكتاب أن النوبة من أقدم الشعوب المستقرة في المنطقة، مع إشارات أثرية تعود لـ7000 عام، ووجود ممالك منظمة مثل مملكة تقلي (من القرن السادس عشر).
– الموقع الجغرافي: جبال النوبة كمنطقة استراتيجية تشكل نقطة التقاء بين دارفور وكردفان ومناطق النيل، مما جعلها مسرحاً للصراعات والتجارة والتبادل الثقافي.
- 3. المحاور الرئيسية للكتاب
أ. التنوع الإثني واللغوي والتماسك الاجتماعي
– يؤكد الكتاب على التنوع الكبير في جبال النوبة (مجموعات لغوية متعددة مثل الكواليب، الداجو، النوبا، إلخ)، لكنه يبرز الخصائص المشتركة التي شكلت هوية نوبية موحدة نسبياً.
– ينتقد استخدام مصطلح “قبيلة” كوصف استعلائي، ويدعو إلى استخدام “قومية سودانية” أو “مجموعة إثنية” للاعتراف بحقوقها السياسية والثقافية.
ب. نظم الحكم التقليدية ومرونة الإدارة
– يسلط الضوء على نظام اللامركزية في الحكم، حيث كانت كل جبل أو منطقة تدير شؤونها عبر “المك” أو “سيد الدرب”، مع آليات للتنسيق في الأزمات.
– مملكة تقلي تمثل نموذجاً متقدماً للحكم المحلي، بنظام “خشوم البيوت” لإدماج الوافدين، و”الأرابيب” كوسطاء، و”شيوخ الطين” لإدارة الأرض.
ج. المقاومة ضد التدخلات الخارجية
– المقاومة العسكرية: فضح فشل الحملات التركية-المصرية (1821–1885) في إخضاع الجبال، بفضل وعورة التضاريس وتماسك المجتمع.
– المقاومة الثقافية: الحفاظ على المعتقدات المحلية واللغات رغم انتشار الإسلام والمسيحية لاحقاً.
د. الدين والتبشير: الصراع الخفي
– ينتقد التسييس الديني، حيث استُخدم الإسلام كأداة للهيمنة من قبل المهدية ولاحقاً نظام الإنقاذ.
– يميز بين الدعوة الصوفية التي اعتمدت على الاندماج والمثال الشخصي (كشيخ البرناوي)، والدعوة السياسية التي خدمت أجندات حزبية (الأنصار والختمية).
هـ. الأرض والهوية والصراع المعاصر
– الأرض ليست مجرد مورد اقتصادي، بل عنصر هويوي وسيادي. يعرض الكتاب كيف أن سياسات المصادرة والزراعة الآلية في عهد الإنقاذ أدت إلى تفجير الصراع المسلح.
– يربط بين قضية الأرض والهوية النوبية، مؤكداً أن النزاع في جبال النوبة هو نزاع وجودي وليس اقتصادياً فقط.
و. الدولة السودانية والتهميش المنهجي
– يحلل الكتاب العلاقة بين المركز والهامش، ويؤكد أن النوبة لعبوا أدواراً محورية في الجيش وفي المقاومة ضد الاستعمار، لكنهم ظلوا مهمشين سياسياً وثقافياً بعد الاستقلال.
– ينتقد خطاب العروبة والإسلام كأساس لهوية الدولة، ويدعو إلى اعتراف دستوري بالتنوع الثقافي واللغوي.
ز. المقاومة السياسية والمسلحة في القرن العشرين
– يرصد أكثر من 23 حركة مسلحة في جبال النوبة ضد الاستعمار البريطاني-المصري، ثم ضد الأنظمة الوطنية المتعاقبة.
– يسلط الضوء على دور اتحاد عام جبال النوبة (1964) والحزب القومي السوداني، وكيف تم تهميشهم وتفكيكهم عبر سياسة “فرق تسد”.
- التحليل النقدي والرؤية المستقبلية
أ. نقد الذات والنخب السودانية
– ينتقد الكتاب النخب العربية-الإسلامية التي فرضت هوية أحادية على حساب التنوع.
– ينتقد أيضاً صمت المؤرخين السودانيين تجاه تاريخ النوبة، ويدعو إلى كتابة تاريخ شامل يعترف بجميع المكونات.
ب. العدالة الانتقالية وإعادة بناء الدولة
– يدعو إلى دستور يعترف بالتعددية الثقافية واللغوية، وإلى لامركزية حقيقية تمنح مناطق النوبة حكماً ذاتياً.
– يقترح نموذج التنمية الموجهة للمجتمع، بدلاً من النموذج الاستخراجي الذي يستنزف الموارد دون تنمية محلية.
ج. الدروس المستفادة من النماذج الإفريقية
– يشير إلى تجارب غانا وجنوب إفريقيا في إدماج القيادات التقليدية في أجهزة الدولة، كدليل على إمكانية التوفيق بين الحداثة والتقاليد.
- الخاتمة: الكتاب كوثيقة تاريخية ونداء أخلاقي
– كوثيقة تاريخية: يعد الكتاب مصدراً أولياً مهماً، خاصة أن مؤلفه عاش الأحداث وشارك في الحراك السياسي.
– كنداء أخلاقي: يدعو إلى الاعتراف بالمظالم التاريخية وإلى مصالحة وطنية تقوم على العدالة والمساواة.
– كرؤية مستقبلية: يرى أن مستقبل السودان مرتبط بقدرته على احتواء تنوعه، وأن النوبة ليسوا طلاب انفصال، بل مطالبين بحقوقهم في وطن ساهموا في بنائه.
التقييم الأكاديمي للكتاب
– القوة: الكتاب يجمع بين العمق التاريخي والتحليل النقدي، ويعتمد على مصادر متنوعة (شفاهية، وثائقية، أكاديمية).
– الإضافة: يملأ فراغاً في المكتبة السودانية والعربية، حيث نادراً ما تجد دراسات شاملة عن النوبة بلغتهم.
– الأهمية: ليس كتاباً عن النوبة فقط، بل نقد جذري للدولة السودانية وهويّتها الأحادية، واقتراح لبديل تعددي ديمقراطي.
الكتاب، في مجمله، بيان سياسي وأكاديمي مكثف، يدعو إلى إعادة قراءة تاريخ السودان من منظور المنظورات المهمشة، وإعادة تعريف الهوية السودانية لتكون هوية جامعة لا طاحنة.
