المؤلف : منتصر ابراهيم
يقدم هذا الكتاب تحليلاً معمقاً لمسار الانتقال السياسي في السودان منذ ثورة ديسمبر 2018 وحتى سقوطه مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، مُستخدماً إطاراً نظرياً مستمداً من الاستعارة الأدبية “فرانكشتاين” لفهم طبيعة الدولة السودانية وأزمة انتقالها.
الأطروحة المركزية: “الدولة الفرانكشتاينية”
يرى المؤلف أن الدولة السودانية تشبه “مخلوق فرانكشتاين”: كيان مشوّه ومُركّب بشكل غير طبيعي من أجزاء متضاربة (مؤسسات أمنية متعددة، مليشيات، بنى قبلية، اقتصاد نهبي). لقد خلق النظام السابق هذا الكيان لخدمة أغراضه، لكنه تحوّل إلى قوة مدمرة تنازع الدولة سلطاتها وتنتقم منها في النهاية، مما أدى إلى الانهيار الشامل. الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع هي ذروة هذا “الانتقام”، حيث تحارب الأجزاء التي خلقتها الدولة نفسها.
محاور التحليل الرئيسية:
- الطبيعة الهيكلية للدولة السودانية:
الدولة الحربية: الدولة السودانية بُنيت تاريخياً على منطق العنف واحتكار القوة، مما جعل الحرب أداة رئيسية للتعبير السياسي وإدارة الصراع.
عسكرة الاقتصاد: تسلّلت المؤسسات العسكرية والأمنية (القوات المسلحة، الدعم السريع، المخابرات) إلى النشاط الاقتصادي عبر خصخصة المال العام وإنشاء إمبراطوريات تجارية (مثل منظومة الصناعات الدفاعية، شركة زادنا، شبكة شركات الدعم السريع). هذا خلق اقتصاداً نهبياً وزبائنياً يعتمد على الريع ويقوض أي إمكانية للتنمية العادلة أو التحول الديمقراطي.
ظاهرة المليشيات القبلية: تفويض الدولة لسلطاتها للمليشيات (كالدفاع الشعبي سابقاً والدعم السريع لاحقاً) لمكافحة التمرد، أدى إلى خلق قوى موازية تنازع الدولة شرعيتها وسيادتها، مما يقوض أسس الدولة الوطنية.
- إخفاق الانتقال بعد ثورة ديسمبر 2018:
غياب المشروع الوطني: رغم سعة المشاركة الشعبية وطموح الثورة لإحداث قطيعة، افتقدت الفترة الانتقالية مشروعاً وطنياً جامعاً قائماً على الإجماع والشرعية والفاعلية. هيمنت “التسوية” (تقسيم السلطة والثروة) على “التحوّل” (تغيير بنيوي في علاقات الدولة والمجتمع).
استمرارية بنية العنف: فشلت الفترة الانتقالية في معالجة الجذور الهيكلية للعنف والاقتصاد السياسي للحرب. استمرت نفس التحالفات والعلاقات الزبائنية التي أرساها نظام البشير.
أزمة العلاقات المدنية-العسكرية: اتسمت العلاقة بعدم الثقة والتنافس على السلطة والموارد. رفض المؤسسة العسكرية الخضوع للسلطة المدنية، خاصة فيما يتعلق بشركاتها الاقتصادية، كان عاملاً رئيسياً في انهيار الشراكة وانقلاب أكتوبر 2021.
الإخفاق في العدالة الانتقالية والمصالحة: لم تُؤسس عملية جادة للمصالحة والعدالة الانتقالية لمعالجة إرث الانتهاكات والحروب، مما حافظ على الاستقطاب وأجّج النزاعات المحلية.
- العوامل المُعجلة للسقوط:
التنافس الاقتصادي بين القوات المسلحة والدعم السريع: تحول التحالف الاقتصادي القديم إلى منافسة شرسة على موارد الريع (الذهب، الثروة الحيوانية، الزراعة)، مما حوّل الصراع من مجرد تنافس سياسي إلى حرب وجودية على النفوذ الاقتصادي.
التدخلات الخارجية: ساهمت المصالح الإقليمية (مصر، الإمارات، السعودية) والدولية في إضعاف السلطة المدنية، ودعمت أطرافاً عسكرية بشكل منفصل (الدعم السريع خاصة)، مما عمّق الانقسام وأفقد الدولة السودانية سيادتها.
غياب القيادة السياسية الملهمة: فشلت النخبة السياسية، بمكوناتها المدنية والمسلحة، في تقديم رؤية استشرافية، وبناء إجماع، وإدارة التناقضات المعقدة للانتقال، وقعت في أخطاء الماضي ذاتها.
- الحرب كذروة التحلل (إنتقام فرانكشتاين):
حرب أبريل 2023 ليست حرباً أهلية تقليدية، بل هي انفجار لدولة مشوّهة ضد نفسها. إنها صراع بين أذرع الدولة الأمنية التي خُلق بعضها ليدعم بعضاً، لكنها تحولت إلى كيانات مستقلة تتصارع على جثة الدولة.
الحرب كشفت عن التحلل الكامل لركائز الدولة الثلاث الموروثة من الاستعمار: الجهاز البيروقراطي (الفساد)، المؤسسة العسكرية (التفكك الداخلي)، والقوى السياسية (الانقسام وفقدان الشرعية).
الخاتمة والمسار المقترح:
يخلص الكتاب إلى أن سقوط الانتقال كان نتيجة حتمية لتراكم اختلالات هيكلية تاريخية، وليس حادثاً عارضاً. للخروج من هذه الدائرة، يطرح المؤلف ضرورة:
القطع الفكري والتاريخي مع نمط “الدولة الحربية” واقتصاد النهب.
تأسيس عقد اجتماعي جديد يحدد علاقة الدولة بالمجتمع ويبني شرعية جديدة.
التركيز على “تشكيل الدولة” (إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع) وليس فقط “بناء الدولة” (تحسين الخدمات).
إجراء مصالحة وطنية شاملة وجذرية تكون العدالة الانتقالية نواتها، لمعالجة إرث الحرب والانتهاكات وبناء هوية وطنية جامعة.
إعادة هيكلة العلاقات المدنية-العسكرية على أسس مهنية واضحة، ووضع حد للدور الاقتصادي والسياسي للمؤسسات العسكرية.
القيمة الأكاديمية للكتاب:
يتميز الكتاب بتقديم تحليل متعدد المستويات (تاريخي، سياسي، اقتصادي، اجتماعي) لأزمة الدولة السودانية، مستفيداً من مفاهيم مثل “الدولة الفاشلة”، “الاقتصاد السياسي للحرب”، و”نظرية الاعتماد على المسار”. كما يبتكر إطاراً تحليلاً مبتكراً عبر استعارة “فرانكشتاين” لتفسير الطبيعة المركبة والمشوّهة للدولة السودانية وآلية انهيارها الذاتي. الكتاب مساهمة مهمة في فهم تعقيدات الانتقال الديمقراطي في السياقات التي تعاني من إرث حروب أهلية طاحنة واقتصاد سياسي قائم على العنف والزبائنية.
